الجمعة، 8 أكتوبر 2021

انهيار سوق الأسهم السعودية عام ٢٠٠٦م

 

انهيار سوق الأسهم السعودية عام ٢٠٠٦م

 

هناك جانبين من كل رواية: الحكاية التي يتداولها الناس؛ والحكاية التي ترويها الآثار التي وجدت على مسرح الاحداث. 

 

في هذا الطرح لست مهتماً بسرد الحكاية التي يتداولها الناس. ما سيتم طرحه هنا هو الآثار التي وجدت على مسرح الاحداث حول انهيار سوق الأسهم السعودية عام ٢٠٠٦م.

 

البداية

 

النقطة التي تلتقي عندها بداية سلسلة ارتفاعات أسعار النفط، ومؤشر سوق المال هي الأول من مايو ٢٠٠٣م. ولإنعاش الذاكرة، فان هذا التاريخ يشترك فيه انتصار التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتحرير العراق واسقاط الحكومة البعثية العراقية لعدم اذعانها لقرار مجلس الامن الدولي رقم ١٤٤١.

 

ولكن لا توجد اثار من ذلك التاريخ وحتى نهاية أكتوبر ٢٠٠٣م على انعكاس لزيادة أسعار النفط على معروض النقود. والذي يرجح غالباً ان الشريحة السعرية التي تحرك خلالها سعر النفط لم تكن كافية لإحداث ذلك الأثر (القيمة المتوسطة لشريحة تحرك السعر ٢٨,٥٧ دولار).

 

بدأت الزيادة الحدية في عرض النقود بدء من نوفمبر ٢٠٠٣م وحتى مايو ٢٠٠٤م (القيمة المتوسطة لشريحة تحرك السعر ٣١,٥١ دولار). ورغم زيادة انتاج النفط بدء من يونيو ٢٠٠٤م (زيادة بحوالي ١٠٪ او تزيد قليلاً)، واستمرار ارتفاع أسعار النفط (القيمة المتوسطة لشريحة تحرك السعر ٤٢,٥٦ دولار)، الا ان عرض النقود استمر في زيادته الحدية حتى نهاية أكتوبر ٢٠٠٤م. هذا التباطؤ في انتقال الأثر الى عرض النقود محطة مهمة جداً فيما جرى بعد ذلك.

 

الفرق بين الماتور الكهربائي والمولد الكهربائي:

 

الماتور الكهربائي والمولد الكهربائي يعملان بنموذج واحد وعكسه لإنتاج صور مختلفة من أنواع الطاقة. الماتور الكهربائي يتم تغذيته بالتيار الكهربائي لإنتاج طاقة حركية؛ اما المولد الكهربائي فيتم تغذيته بالحركة لإنتاج طاقة كهربائية.

 

الانتباه الى هذا الفرق قد يساعد القارئ الكريم على ملاحظة التحويلة التي جرت في طريقة عمل السوق خلال الفترة بين يونيو ٢٠٠٤م وأكتوبر ٢٠٠٤م (فترة التباطؤ في انتقال الأثر الى عرض النقود)؛ وتفسير التباطؤ خلال نفس الفترة.

 

الصعود الى الهاوية

 

خلال الفترة التي سبقت نهاية أكتوبر ٢٠٠٤م، كانت استثمارات الدولة المباشرة (سيولتها) هي المحرك الأكبر للسوق (طريقة عمل الماتور الكهربائي). اما بداية من نوفمبر ٢٠٠٤م فقد كانت توصيات صندوق النقد الدولي قد بدأت في ابداء قلقها من مستويات أسعار مكونات المؤشر؛ وبالتالي شكلت ملاحظاته نوع من الكوابح على استمرار طريقة العمل على ما هي عليه، وكان لابد من نقل ضخ السيولة في السوق الى طرف آخر؛ ووقع الاختيار على المتداولين لتحريك السوق. ولكن كيف يمكن للمتداولين القيام بهذا الدور؟

 

الحل الذي فكر منظم السوق وقتها فيه، او على الأقل هذا ما تعكسه آثار ما حدث، هو تغيير طريقة عمل السوق الى (طريقة عمل المولد الكهربائي). كانت الآلية، ان تحث المؤسسة المسؤولة عن مراقبة وتوجيه النظام المصرفي حركة السيولة في (محافظ المتداولين) من خلال الموصلات التي تحتضن تلك المحافظ (البنوك). كان حلاً عبقرياً لو كان هناك فرص استثمارية أخرى خارج السوق يمكن الاستفادة من الطاقة الناتجة (الارباح الرأسمالية الناتجة عن ارتفاع أسعار الأسهم) فيها. ولكن عدم وجود مثل تلك الفرص غلظ حركة المستثمرين في السوق وقواها، وبالتالي دخلت عملية حث السيولة في محافظ المتداولين في كرة ثلجية تتعاظم مع كل حركة يقوم بها المتداولون في السوق.

 

عملية تغيير طريقة عمل السوق استغرقت الفترة بين يونيو ٢٠٠٤م ونهاية أكتوبر ٢٠٠٤م، ولذلك شاهدنا انشاء هيئة السوق المالية في يوليو ٢٠٠٤م ضمن التحضيرات لهذا التغيير؛ وقفزة فورية في عرض النقود في السوق من جديد (حوالي ٨٪ او تزيد قليلاً) بداية من نوفمبر ٢٠٠٤م.

 

مقدمات انهيار السوق في ٢٠٠٦م

 

حتى نفهم اسباب انهيار السوق في ٢٠٠٦م لابد ان نعود مرة أخرى لزيارة يونيو ٢٠٠٤م. ولإنعاش الذاكرة، فان قوات التحالف في العراق بقيادة الولايات المتحدة قامت بتسليم مقاليد السلطة للحكومة العراقية المؤقتة في ٢٨ يونيو ٢٠٠٤م. 

 

لقد كان ذلك، على الارجح، امراً حاسماً في قرار زيادة انتاج النفط، من اجل المساهمة في إعادة اعمار العراق. اما ما لم يكن في الحسبان فهو اننا سنختلف مع قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حول تسليم الرئيس صدام حسين فعلياً للحكومة العراقية المؤقتة لمحاكمته (تم في ١٩ أكتوبر ٢٠٠٥م). لقد اختلفت السعودية في توصيف الصفة الاعتبارية للرئيس صدام حسين، وحول قانونية المحكمة الجزائية المختصة التي باشرت الإجراءات القضائية؛ وبالتالي بدأ التراجع عن قرار زيادة انتاج النفط بشكل خاطف ومفاجئ بدأت آثاره في الظهور بشكل واضح بداية من شهر نوفمبر ٢٠٠٥م.

 

لقد كان لهذا القرار السياسي انعكاساته بطبيعة الحال، وأول هذه الانعكاسات هو بداية انحسار قدرة المؤسسة المسؤولة عن مراقبة وتوجيه النظام المصرفي على حث المزيد من السيولة في محافظ التداول، وبالتالي بدأ فشل حركة المتداولين في السوق عن انتاج المزيد من الأرباح الرأسمالية الناتجة عن زيادة أسعار الأسهم؛ وهنا أدرك المساهمون الكبار انهم قد اقتربوا جداً من نقطة ذروة السوق وضرورة تسييل محافظهم.

 

وبالمراجعة (بأثر رجعي)، فان الهيئة المنظمة للسوق كانت امامها فرجة، مداها من يوليو ٢٠٠٤م ونوفمبر ٢٠٠٥م، للاستعداد وتطوير ادواتها للتعامل مع تطورات السوق في ظل احتمالية حدث جوهري مثل التراجع عن قرار زيادة انتاج النفط بشكل خاطف ومفاجئ؛ ولكن شغلتها الترتيبات الإدارية عوضاً عن ذلك؛ وبالتالي، عندما اضطرت للجوء للأدوات التي تستطيع بها إدارة ومقاومة سورة كبار المضاربين لتصفية محافظهم، لم تجد غير العجز والفشل لتواجه به الموقف، واختارت طريقة مقاتلي الساموراي، حاملة معها كل من عليها الى نفس المصير. 









الخميس، 17 يونيو 2021

قصة اربع ملاحم أمريكية / سعودية في التاريخ الحديث





هذا الرسم البياني ورغم بساطته من جهة، وما يبدوا عليه من عدم الاختصاص بالقصص التي يرويها من جهة اخرى، الا انه يروي قصة أربع ملاحم أمريكية / سعودية مهمة في التاريخ الحديث. هذه القصص هي:

·   بزوغ وافول اطماع الاسلام السياسي في المملكة العربية السعودية والمنطقة (٢ اغسطس ١٩٩٠م - ٢٠ يونيو ٢٠١٤م).

 

·  التقدير والاهتمام الامريكي بإستقرار الحكم في المملكة العربية السعودية (١٩٩٦م).

 

·  التقدير الامريكي للتعاون الدولي الذي ابدته المملكة بتوفير الامدادات النفطية لحلف الناتو اثناء الحرب في كوسوفو (٢٨ فبراير ١٩٩٨م - ١١ يونيو ١٩٩٩م).

 

·  البدايات الواعدة لانطلاقة جديدة من التعاون بين الولايات المتحدة الامريكية والسعودية على اساس رؤية السعودية ٢٠٣٠ قبل ان تجهضه عملية خاصة فاشلة (١٦ مارس ٢٠١٧م - ٢ اكتوبر ٢٠١٨م).




الاثنين، 26 أبريل 2021

حول نظرية النسبية ولقاء موسى والخضر عليهما السلام


 

من أكثر القصص الملهمة لتقديم شرح مبسط للنظرية النسبية قصة لقاء موسى والخضر عليهما السلام؛ ففيها العديد من المشاهد التي تصلح لتوضيح بعض ظواهر النظرية الأساسية.

 

ولكن قبل البدء، تجدر الإشارة الى أن الكاتب هنا لا يحاول أن يقدم تفسيراً للآيات القرآنية التي حكت الحادثة، ولكن الغرض فقط هو الاستعانة ببعض مشاهدها التي تخدم  عرض الموضوع.

 

ربما من المناسب أن نبدأ بتهيئة المشهد للقاريء قبل تقديم العلاقة بين النظرية والقصة التي بين أيدينا.

 

لنتصور اولاً الخضر يقف مراقباً في مكان ما خارج الكرة الأرضية؛ ونعرف أنه شخصية اطلعها الله على علمه اللدني، وبالتالي فإن علمه أبدي (ونقصد من علمه بأنه أبدي تحديداً انه يستوي في علمه وجود الماضي والحاضر والمستقبل).

 

 وعلى الطرف الآخر موسى عليه السلام على سطح الأرض، والتي تتحرك بالنسبة للخضر بسرعة دوران الأرض والتي تقدر بـ ٤٦٠ متر/ثانية.

 

بالنسبة للخضر، فان التوقيت المحلي لموسى يسير بوتيرة ابطأ من وتيرة توقيته هو (بسبب ظاهرة تمدد الزمن التي هي من ظواهر النظرية النسبية). وبالتالي فإن الخضر توقع وصول موسى الى نقطة اللقاء في فترة زمنية أطول من الفترة الزمنية الفعلية للوصول الى نقطة اللقاء بالنسبة لموسى؛ ونتيجة لذلك وجدنا موسى وصل فعلياً الى نقطة اللقاء قبل الخضر.

 

أما بالنسبة لرؤية مستقبل الاحداث الذي قدمه الخضر خلال تفاصيل القصة، فان علمه الأبدي الذي اكتسبه من اطلاع الله له على علمه اللدني جعل مسألة السببية بين الأحداث تصبح مجرد سببية ظاهرية؛ وأصبح بالتالي العلم بكل حدث مستقل ومطلق عن أي علائق بينها؛ وبالنتيجة فإن مسألة الانتقال عبر السلسلة الزمنية لأي حدث تصبح أمراً ممكناً، على الأقل من الناحية النظرية.

الاثنين، 7 ديسمبر 2020

تطور المعرفة بالله - تجربة عيسى عليه السلام

 

 

{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}. العبد ليس له إرادة مستقلة في مواجهة سيده٬ وهو تعالى آخذ بناصيته حيث شاء؛ وحكمته تقتضي عدله٬ الذي يطلب انعامه على العبد بِعزَتِه وحصانته من عذابه؛ لعلمه ان ليس للعبد من الأمر شيء، إلا ظاهراً من الحياة الدنيا. 




الأحد، 15 نوفمبر 2020

المعرفة الآدمية بالله - من ابراهيم الى يعقوب عليهم السلام أجمعين

 


تجربة إبراهيم عليه السلام

 

غير صحيح أن الله يُعرَف من غير نظر في العالم. 

 

نَعَم يُعرَف كذات قديمة أزلية٬ ولكن لا يُعرَف أنه إله حتى يُعرف المألوه. ولا يتم ظهور المألوه الا بتخلله جميع نِسَب الحق المعبر عنها بالأسماء.

 

ثم اعلم أنه ما تخلل شيء شيئاً الا كانا محمولان في بعضهما..

 

فان كان الخلق هو الظاهر٬ فالحق مستور باطن فيه - "كنت سمعه وبصره" كما جاء في الخبر.. 

 

وإن كان الحق هو الظاهر٬ فالخلق مستور فيه – وهم جلاء نِسَبه التي هي عينه.

 

   

تجربة إسحاق عليه السلام

 

الانسان يتلقى من حضرة الخيال رسائل خلال مرحلة النوم. مجمل تلك الرسائل مشفرة وتحتاج الى فك رموزها في عالم الواقع٬ وتعبيرها٬ قبل التعاطي معها. إبراهيم الخليل عليه السلام كاد أن يذبح ابنه عندما صدَّق رؤياه كما هي ولم يعبرها!


الا إذا رأى الرائي النبي صلى الله عليه وسلم٬ فانه يأخذ عنه جميع ما يأمره به أو ينهاه عنه أو يخبره٬ فان الشيطان لا يتمثل بصورته صلى الله عليه وسلم. اما إذا أعطاه شيئاً فان ذلك الشيء هو الذي يدخله التعبير.

 

وإذا رأى الحق تعالى في صورة يردها الدليل العقلي فإنها تعبَّر بالحق المشروع في حال الرائي أو المكان الذي رآه فيه أو هما معاً٬ وإن لم يردها الدليل العقلي فيكون قد رآه كما نرى الحق في الآخرة سواء.

 

وفي الاتجاه الآخر٬ قد يخلُق الانسان بالوهم في حضرة خياله ما لا وجود له الا فيها. وبإمكانه نقله منها الى حضرات أخرى غير حضرة خياله وحفظه فيها.

 

 

تجربة إسماعيل عليه السلام

 

كل موجود فهو موجود على بصمة أسمائية مميزة تحدد مخرجاته. وعلى ذلك فكل أفعاله "مرضية" عند ربه الذي هو هويته. ولا يلزم إذا كان كل موجود عند ربه مرضياً٬ أن يكون مرضياً عند رب عبد آخر.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

المعرفة الآدمية بالله ما قبل الطوفان - تجربة نوح عليه السلام

 


صُوَرُ العالم لا يمكن زوال الحق عنها. فأي صورة اذا زال عنها الروح لم يعد هناك فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة٬ فحد الالوهية لها بالحقيقة لا بالمجاز.. 

 

ولذلك قيل "ما عُبِد [على الحقيقة] غير الله في كل معبود". ولما عَبَد اناس بعض الصور متوهمين عبادتهم للحق في صورها٬ واراد الحق اعادتهم الى رشدهم٬ خاطبهم بـ "قل سَمُّوهُم" لينتبهوا الى ما وقعوا فيه من خطأ في توهمهم. 

 

وعليه فان الدعوة الى الله من حيث هويته محسوم، وبذلك تكون قراءة"وقضى ربك الا تعبدوا الا إياه" على سبيل الحكم لا الأمر؛ وما بقي الا أن تكون الدعوة اليه من حيث الربوبية والانابة اليه. 

 

ثم ان تلك الروح المتخللة الصورة ليست هي الصورة المادية الوجودية للصورة٬ فـ "ليس كمثله شيء". ولا هي متبرئة منها بشكل محض٬ فقد حكى عن نفسه تعالى بأنه "السميع البصير"٬ فشبه بها..

 

ولذلك عُدّت تلك الأطراف القصوى من كل جانب في وصف الروح إساءة ادب مع الله٬ وجرت السِنَةُ الرسل بكل الطَّيف بينهما.





المعرفة الآدمية بالله ما قبل الطوفان - تجربة ادريس عليه السلام

 


لو قتل شخص شخصاً آخر بسكين٬ فان السكين في يد القاتل تسمى "أداة الجريمة"؛ ونفس السكين في يد الشرطة التي باشرت الواقعة تسمى "حرز مسرح الجريمة"؛ وهي هي نفسها في يد وكيل النيابة تسمى "دليل الاتهام"..

 

جميع الأوصاف المختلفة لم تغير من اصل السكين شيء..

 

والسكين هو نفسه المتصف بكل وصف منها بلا شك..

 

وهي في يد كل طرف لا تحتمل وصفها بالوصف الذي وصِفَت به في يد غيره..

 

والسكين في اصلها خالية من كل الاوصاف والنعوت٬ واكتسبت كل نعوتها ممن وجدت في حوزته.

 

وبالمثال٬ فعلم الله متجرد عن اوصاف الحمد والذم٬ وقد وسعت رحمته تعالى كل شيء؛ والاوصاف والاحكام المختلفة حكمت بها عليه القوالب المتنوعة التي تجلى فيها٬ دون ان تغير من اصله شيء.





السبت، 31 أكتوبر 2020

المعرفة الآدمية بالله ما قبل الطوفان -تجربة شيث عليه السلام

 

                              

تُقَدِّم تجربة شيث عليه السلام مخططاً لحركة سؤال العبد من العطايا الإلهية. وهو يشير الى أن علم الله المحيط هو المحرك الأول لكل عطية الهية؛ وانها لا تتجلى الا بصورة استعداد العبد، الذي يحرك سؤاله، ثم اذا وافق سؤاله قَدَرَ ظهور ما سأل، فان الدائرة تعود الى استعداد العبد فيُخرِجُ ما سأل الى الوجود.

 

وهذا يطرح سؤالاً محورياً هنا: اذا كان العبد لا يَسأل الا ما هو في علم الله اصلاً، فكيف يكون في علم الله ما هو مذموم حكماً اوشرعاً اوعرفاً؟ هذا ما ستقدمه تجربة ادريس عليه السلام..

 

كما أن المخطط يثير مجموعة من النقاط الملفتة الأخرى التي تستحق التنويه:

 

·      سؤال العبد ليس تحركاً مستقلاً، وانما هو منفعل اساساً بعلم الله المحيط، المحرك الأول لكل العطايا. وبالتالي لا يَسأَل عبد الا مما هو في علم الله اصلاً.

 

·      كل عطية لها بصمة اسمائية، مميزة لها عن غيرها، تحدد مواصفات مخرجات تلك العطية.

 

·      استعداد العبد له وجهان مزدوجان. وجه باتجاه باطنه يستقبل به تجلي عطاياه تعالى، ووجه باتجاه العالم قادر على اظهار تجلياته تعالى في أعيان الموجودات.


·      تعيُّن الموجود في العالم، ليس الا علم الله المحيط، في مسألة العبد التي تعين عنها الموجود، متجلياً في أعيان الموجودات.





الجمعة، 30 أكتوبر 2020

المعرفة الآدمية بالله ما قبل الطوفان ـ تجربة آدم عليه السلام

 

 

بعد قراءات عديدة لكتاب (فصوص الحكم) للشيخ الأكبر، أظن أنني اقترب اكثر واكثر من تصور أن المؤلف ربما اراد من الفصوص، المرتبط كل منها بنبي من الانبياء، أن يقدم رصداً لتطور المعرفة البشرية بالله من خلال تتبع كل نبي من الانبياء في تجربته الخاصة مع الله.

 

وفي هذا المقال المختصر، سأحاول تقديم تصورات المؤلف عن تطور هذه المعرفة البشرية المباشرة بالله في الفترة التي سبقت الطوفان كعينة على ما يمكن أن تنتجه هذه المحاولة اذا استمرت لتغطية كل الانبياء؛ وبالتالي فان المقال سيتعرض لتجربة اربعة انبياء فقط من مجموع الانبياء المذكورين، وهم: آدم، شيث، ادريس ونوح عليهم السلام اجمعين.

 

ولعله من الملفت في سرد الكتاب اختلاف ترتيب بعض الانبياء فيه عن التسلسل التاريخي لظهورهم. اما بالنسبة للمقال فانه سيلتزم بالسرد التاريخي وسيترك للقاريء حرية البحث والتفكير في اعتماد المؤلف ترتيباً مغايراً لذلك.

 

وكذلك سيلتزم المقال مع كل نبي بالوقوف مع تجربته الخاصة التي تميزه، وسيتوقف ما امكن عن التجارب المستطرقة بين الانبياء.

 

وربما يتضمن المقال بعض التعليقات على الهامش كلما كان ذلك مناسباً.

 

 

تجربة آدم عليه السلام

 

أنشأ الله العالم على صورة مختصرة من أسمائه؛ ثم خلق آدم – أول صورة محيطة جامعة لما في الصورة الالهية من الاسماء. وبذلك يبدوا آدم كنسخة اسمائية متطورة عما سبقه من خلق الى هذا العالم.

 

وقد لا يكون واضحاً فضل احاطة خلق آدم للأسماء كلها.. 

 

ولكننا لو امعنّا النظر مثلاً في استغفار آدم عن اكله من الشجرة، وتكبُّر ابليس عن نفس جنس الاستغفار عند امتناعه عن السجود، لعَلِمنا كيف أن عدم استغفار ابليس صدر عن عجز وليس عن استكبار؛ وأن ابليس ابتلى نفسه بعدم  مراعاة خَلْقِهِ على صورة مختصرة من الأسماء لم تعطه العلم بالاستغفار الذي أحاط به آدم؛ وبذلك وقف عاجزاً عن تقديم توبة مثل التي قام بها آدم.

 

ثم انه تعالى أنشأ صورة آدم الباطنة على صورته تعالى، فنفخ فيه من روحه، فكان صورته من جميع الوجوه (الا في افتقار آدم اليه تعالى في الوجود، وغناه تعالى عن مثل ما افتقر اليه آدم).

 

ونظراً لظهور صورة آدم الباطنة بصورته تعالى، فقد احالنا تعالى (الخلق الآدمي) في العلم به الى انفسنا لنستدل بنا عليه.

 



الأربعاء، 26 أغسطس 2020

وزراء النفط السعودي.. القصة كما لم ترو من قبل



اول وزير للنفط هو معالي الوزير عبدالله الطريقي. دخل الوزارة على خلفية الدفاع عن السيادة على الثروة الوطنية، ولكنه اخطأ الفصل بينها وبين دعاوى القومية، وكانت النتيجة هي مغادرته السريعة لمنصب الوزارة.

 

جاء بعده الشيخ احمد زكي يماني، والذي تحقق على يديه أهم ثلاث نتائج في تاريخ النفط السعودي على الاطلاق: الأُولى، استطاع قيادة المطالبة بالسيادة على الثروة الوطنية  بالطرق القانونية بعيداً عن التشنجات القومية وتوتراتها التي انهكت مستقبل الجيران في المنطقة وعرضتهم ومستقبلهم لمخاطر جسيمة. ثانياً، تحققت اكبر طفرة في الإنتاج استطاعت المملكة ان تستفيد منها في اكتساب دور دولي مهم في الحفاظ على توازن سوق النفط؛ وأن تستفيد كذلك من مداخيل نفطية كبيرة، من دور المنتِج المرن الذي هيأته لها تلك الفوائض الإنتاجية والتي كانت وراء طفرة السبعينات من القرن الماضي التي غيرت وجه الحياة المعاصر في المملكة. ثالثاً، أصبحت المملكة القوة الأكثر تأثيراً والمحرك لسياسات الأوبك بعد ان استطاع  الوزير يماني انتزاع هذا الدور لصالح المملكة - بعد أن كان تقليدياً قبل ذلك لإيران بحكم التأسيس.

 

ولكن نشوة السيطرة على مقعد القبطان في الأوبك طغت معها تصورات القدرة على التحكم في أسعار النفط في الأسواق العالمية من خلال التحكم في كميات الإنتاج. ولم يكن ظاهراً حينها بشكل واضح حجم التآكل الحاصل في جذور عمل التكتلات النفطية من تحت السطح الظاهري من خلال نشاط شركات سمسرة استطاعت أن تخلق اول صورة بدائية لسوق آنية لتداول النفط بعيداً عن تحكم التكتلات النفطية، بأن تعقد صفقات مع الدول حديثة العهد بإنتاج النفط تقوم بموجبه شركات السمسرة بتوزيع نفط تلك الدول في الاسواق العالمية.

 

بدأ نشاط السمسرة باهتاً في النصف الثاني من السبعينات، ولكنه سرعان ما استغلظ واستوى على سوقه، حتى اصبح في أوائل الثمانينات اتجاهاً استطاع أن يهز اوبك؛ ويسقط الوزير من كرسي الوزارة.

 

تولي المنصب بعده معالي الوزير هشام ناظر. اختار الوزير ناظر ذهنية الاعتماد على القدرات التنافسية لقنوات التوزيع الحديثة في أسواق النفط، والميزة النسبية الكبيرة للتكلفة المنخفضة لانتاج النفط السعودي، للخروج من مصيدة العجز عن الحركة التي تسببت فيها ذهنية سلفه. وفعلاً، استطاع تحرير المداخيل النفطية من اتجاهها الهابط عن طريق تمرير كميات اكبر من الانتاج للأسواق.

 

ويحسب له بشكل خاص قيادة سياسات نفطية ناجحة خلال فترة حرب الخليج، استطاعت ان تحافظ على تدفق الدخل، من المورد الأوحد تقريباً للدولة، بدون مطبات عنيفة في ظروف متطلبات حرب غير مسبوقة في المنطقة مسرح عملياتها الرئيسي في ضيافة المملكة وما ترتب على ذلك من ضغوط مالية غير متوقعة.

 

تعاظم اهمية سوق تداول النفط الآنية خلال العقد الذي تولى فيه الوزير هشام ناظر شجعت تصورات إمكانية الاستفادة من سياسات نفطية تعتمد على ابتسامات الحظ في سوق تداول النفط؛ وكان لابد من الباس السياسات التي تراهن على ابتسامات الحظ قناعاً من قلب الصناعة يضفي عليها الطابع الفني التخصصي؛ ومن هنا بدأ التفكير في معالي الوزير علي النعيمي.

 

بالإضافة الى مهامه، حاول الوزير النعيمي ان تكون له بصمته المستلهمة من استاذه فرانك جنجرز، الذي كان القلب المحرك الذي انجز في السبعينات من القرن الماضي الطفرة في الإنتاج والتي ساهمت في تغيير وجه الحياة في المملكة. ولكن الوزير النعيمي فشل في جانب ونجح في جانب. فشل بامتياز في إنجاح مبادرة الغاز والتي كان المأمول منها احداث نقلة نوعية في الثروة الهيدروكربونية في المملكة؛ ولكن في ناحية أخرى، نجح في إيجاد صيغة مكنت للاستفادة من طاقات أرامكو في تنفيذ بعض المشرعات التنموية الهامة للدولة، والتي انعكست نتائجها ايجاباً على نواحي مهمة من حياة المواطنين.

 

ما اضر بالوزير النعيمي هي تصوراته انه قادر على القضاء على النفط الصخري باستغلال الميزة التنافسية لانخفاض تكلفة انتاج النفط السعودي؛ ولكن تقاطع توقيت انهيار أسعار النفط المفاجيء، نتيجة سقوط الدفع الأمريكي لجهود الفوضى الخلاقة في جمهورية مصر العربية مع مشروعه، قضى على أحلام الوزير وعلى منصبه.

 

ثم جاء العملاق، الوزير خالد الفالح. لقد استطاع ترميم الأسعار وإعادة الحياة للتكتلات النفطية من خلال فكرة عبقرية بسيطة وهي تحويل معول الالتزام بين المنتجين من الإنتاج الى التصدير (كميات التصدير ذات تأثير مباشر في المعروض في الأسواق، بعكس الإنتاج الذي لا يتمتع بنفس قوة الارتباط). لقد استطاع بهذه الفكرة الرشيقة أن يعطي رافعة كبيرة جداً لتأثير التكتلات النفطية؛ واحدث ذلك طفرة غير مسبوقة في استعادة ثقة الدول المنتجة للنفط في جدوى تكتلها وقوة تأثيرها على الأسواق.

 

ولكن التكتلات التي انجحته، وخاصة التقارب مع الجانب الروسي، خلقت نظرة مزدوجة غير مريحة لدى الجانب الأمريكي. لقد تخطى هذا التقارب في تقديرها خط المصالح التجارية المجردة، وهو ما لم تحتمل التصورات الامريكية تطوراته المحتملة. وراينا بعدها الوزير يغادر منصبه بهدوء. 

جاء اخيرآً سمو الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وهو يحمل افكاراً مثالية لما ينبغي ان تكون عليه سوق النفط، ويحاول ترويضها وتهذيبها باستخدام الفوائض الإنتاجية المتاحة للمملكة. وقد نجح في الجولة الأولى، رغم قسوة ظروفها، وننتظر له المزيد من النجاحات في منصبه.

 

          

الجمعة، 7 أغسطس 2020

عبقرية فرانك جنجرز– بناء قدرات المملكة كمنتج مرن للنفط



في 8 مارس 2020م اندلعت حرب اسعار بين اثنين من اكبر منتجي النفط؛ المنتج السعودي والمنتج الروسي.

 

المنتج الروسي، حاول خرق تفاهمات اوبك بلس في وقت شديد الحساسية خلال ازمة كوفيد-19 بالانسحاب من مفاوضات ارساء الحصص لتجاوز اثار الازمة؛ في حين ان الطرف السعودي على الجانب الآخر كان يرى ضرورة تماسك تفاهمات الاوبك والاوبك بلس، وانه لا ينبغي لأي طرف من اطراف التعاون خرق التفاهمات، واستغلال الظرف الحرج وعديم المرونة لكثير من الاعضاء الآخرين، في تخريب هيكل الحصص السوقية بينهم.

 

لقد اضطر ذلك، الجانب السعودي، لاستخدام فائض الانتاج النفطي الذي تتمتع به دوناً عن غيرها من المنتجين، واغراق الاسواق العالمية. الامر الذي ادى الى خفض متوسطات الاسعار الفصلية للنفط بحوالي 65% تقريباً، مما اجبر الجانب الروسي عملياً على العودة الى طاولة المفاوضات.

 

السؤال المهم: من كان وراء بناء قدرة فائض الانتاج النفطي في ارامكو التي اعتمدت عليها المملكة في تحركها خلال الازمة؟

 

قد يتبادر الى الذهن أن بناء هذه القدرة تم بشكل متنامي عبر تاريخ انتاج الشركة.. 


الحقيقة  ان ذلك غير صحيح. بالنظر الى تاريخ انتاج ارامكو، يتضح ان معظم هذه القدرة تم بناءها خلال النصف الاول من السبعينات من القرن الماضي.

من الناحية الفنية، فان بناء هذه القدرة تحمل مسئوليتها رئيس ارامكو الاسبق، السيد فرانك جنجرز، الذي تولى منصبه في العام 1971م واصبح لاحقاً رئيساً لمجلس ادارتها بين الفترة 1973-1977م.

 

تبنى السيد جنجر تلك التوسعات الضخمة في القدرات الانتاجية والتخزينية بناء على توصيات من مكتب ارامكو في نيويورك، والتي قدرت أن الطلب على النفط في الولايات المتحدة واوروبا خلال عقد السبعينات سوف تتجاوز المعروض المتاح لها بحوالي 50%؛ وان المملكة باستطاعتها ان تستفيد من تلك الفجوة ببناء فوائض انتاجية يمكن ان تستخدمها في سد بعض ذلك الطلب، وكذلك عن طريق استفادتها من العوائد التي يمكن ان تحققها من لعب دور المنتج المرن لاحقاً.

 

ولقد رات القيادة السعودية متمثلة في جلالة الملك فيصل رحمه الله؛ والادارة السعودية متمثلة في وزير النفط الاسبق الشيخ احمد زكي يماني، أن تلك التوسعات من شأنها خلق واقع جديد يغير من حياة المواطنين الى الأفضل فمنحتها مباركتها.





السبت، 13 يونيو 2020

دور المملكة من خلال اوبك و اوبك+ وارامكو في عكس الاتجاه الهابط لاسعار النفط



منتصف ابريل ٢٠٢٠م وصل حد الضيق بالاغلاق الاقتصادي الى درجة انشأ معها الرئيس ترامب لجنة لقيادة عملية فتح الاقتصاد في مواجهة القوة الضاغطة من المختصين في مجال الصحة من دعاة الاحترازات المتشددة لمنع انتشار عدوى ال كوفيد-١٩..

 

وتطورت الدعوات لاعادة فتح اقتصادات الدول تطوراً دراماتيكياً عندما قام الرئيس البرازيلي في ١٨ ابريل ٢٠٢٠م باعفاء وزير الصحة لمواقفه المتشددة الداعية للاستمرار في الاغلاق الاقتصادي للبلاد..

 

تبع تلك التطورات ضغط متكرر وبلهجة متصاعدة من الرئيس الامريكي في ٦ مايو ٢٠٢٠م على حكام الولايات لاعادة فتح اقتصاداتها..

 

هذه التطورات المطالبة باعادة فتح الاقتصادات حول العالم، متزامنة مع ظهور تقارير اولية عن حمولات الحاويات النفطية في ١٩ مايو ٢٠٢٠م، والتي تظهر التزاماً متماسكاً من قبل اوبك واوبك+ بالتخفيضات المقررة كان كفيلاً بقلب اتجاه اسعار النفط من ادنى نقطة خلال الازمة والاتجاه نحو الارتفاع..

 

وبقي ضرورة ان تشعر الاسواق بتحسن في هوامش الارباح لتشجيع عودة النظرة الايجابية للاسواق والمنتجين، وهو ما حاولت ارامكو ان تقوده بالتزامن مع اجتماع اوبك و اوبك+ في ٦ يونيو ٢٠٢٠م.