الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

الحقيقة التي انتظرتها الحضارات

مساء الخير..

الحقيقة التي انتظرتها الحضارات

ليس أعجبَ في تاريخ الإنسان أن تقوم الحضارات ثم تسقط، بل أن أكثرها سقوطًا كان عند لحظة القوة لا عند لحظة الضعف.

فالأمم لا تفنى دائمًا لأنها عجزت عن العمران، بل لأنها عجزت عن حمل عمرانها. ولهذا يلفت القرآن النظر إلى مفارقة قلّ من يتأملها:

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا}.

فلم يكن النقص في القدرة، ولا في العلم، ولا في التمكين. لقد بلغت تلك الأمم من القوة ما جعلها تثير الأرض وتعمّرها أكثر ممن جاء بعدها. لكنها بلغت طرف القدرة ولم تبلغ طرف الهداية الذي يحفظ القدرة من نفسها.

ومن هنا يبدو التاريخ البشري أشبه بسلسلة محاولات متعاقبة لعبور جسر واحد. كانت كل حضارة تتقدم خطوات أبعد من سابقتها، ثم تتعثر عند الموضع نفسه؛ الموضع الذي يتوجب فيه على القوة أن تخضع للحكمة، وعلى المعرفة أن تنضبط بالأخلاق، وعلى التمكين أن يستقر في دستور روحي يساويه في النضج.

وهنا تتجلى فرادة الحقيقة المحمدية.

فليست عظمتها في أنها أضافت قوة إلى قوة، أو معرفة إلى معرفة، بل في أنها جاءت بالميزان الذي يجعل القوة قابلة للاستمرار، والمعرفة قابلة للنجاة، والحضارة قابلة لعبور مرحلتها الأخيرة دون أن تنتكس عند مشارف اكتمالها.
*
لقد استطاعت الحضارات السابقة أن تبلغ درجات من العمران، لكنها لم تستطع أن تبلغ غايتها. أما الرسالة الخاتمة فقد جاءت لتصل بين طرفي المعادلة اللذين افترقا طويلًا: اتساع الإمكان الإنساني، واكتمال دستوره الأخلاقي والروحي.

وعندئذ لم يعد التاريخ مجرد تراكم حضارات، بل صار سعيًا متدرجًا نحو اكتمال المعادلة التي لم يتم للأمم السابقة جمع أطرافها. فقد كانت الحضارات كلها تتعلم درسًا واحدًا بأسماء مختلفة. كانت تتقدم في اكتشاف ما تستطيع أن تفعله، لكنها لم تكن قد بلغت تمام المعرفة بما ينبغي أن تفعله. وكلما اتسعت اليد ضاق القلب عن حملها، وكلما تضخمت الوسيلة قصرت الغاية عن توجيهها.

حتى جاءت الرسالة الخاتمة لا لتزيد الإنسان قدرة على الأرض فحسب، بل لتجعله أهلًا لهذه القدرة. فجعلت التوحيد ميزان المعرفة، والعدل ميزان القوة، والأمانة ميزان التمكين، والرحمة ميزان الحركة كلها.

ولهذا لا يكون تمام الرحلة في هذه الرؤية خروجًا من الأرض، بل إكمالًا لدورتها. فالإنسان خرج من الجنة ليعبر مدارس الأرض، ويستنفد طاقاتها، ويكتشف حدود قدرته وحدود ضعفه. فإذا اكتمل ذلك كله، وبلغت الأرض غاية ما أودع فيها من إمكان، وقف الإنسان على تخوم الجنة بعد إكمال دورة كاملة.

عندها لا تكون النهاية سقوطًا كما كان شأن الحضارات السالفة، بل عودة بعد اكتمال الدائرة، ووفاءً لوعد قديم بدأ يوم كانت الرحلة كلها في أول خطواتها.

فإذا بلغ الإنسان هذا المقام، لم تعد نهاية الرحلة انهيارًا تحت ثقل المنجز، بل عبورًا به؛ لأن الميزان الذي يحفظ القوة من نفسها يكون قد اكتمل أخيرًا. 

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc


(Tags):
•فلسفة التاريخ
•الحضارات
•الحقيقة المحمدية
•القرآن الكريم
•التدبر القرآني
•الفكر الإسلامي
•العمران الإنساني
•الهداية والحضارة

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

الذين عادوا الى السماء

صباح الخير..

الذين عادوا الى السماء

يقفُ الإنسانُ على حدٍّ دقيقٍ بين الأغلفةِ التي تحميه، والقوى التي تنضجه...

وليست سيرةُ الوجودِ إلا تدافعاً صامتاً بين نزعةِ التوسعِ والزيادةِ وسعةِ الأغلفةِ الحافظةِ التي تحيطُ بها..

​في عالمِ الطبيعة، لا تنشقُّ قشرةُ الثمرةِ عند تمامِ نضجِها بسبب خلل، بل من شدة الامتلاء...

فتفسُق الرطبةُ لأنَّ لبَّها المتدافعَ بالسوائلِ قد تجاوزَ مرونةَ القشرةِ في غلافها القديم. 

إنشقاق قشرة الثمرة هنا، يعلنُ ذروة الاستواء والنضج لطور سابق في الحقل، والدخولُ في طورٍ جديدٍ من أداءِ غايتها يناسبُ الثمرةَ في مرحلتها الجديدة.

وحين نُسقط هذه اللحظةَ على مسارِ الوعي البشري، نجد أنَّ التاريخَ الإنسانيَّ ليس سوى متواليةٍ من هذه "الانفلاقات" الكبرى... 

فطفراتُ المعرفةِ والتمكينِ ليست عشوائية، بل هي تجلٍّ لسنَّةِ التوسعِ الإلهي {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}. 

حيث ينكسرُ غلافُ العجزِ القديم ليتسع الإمكانُ البشريُّ أفقاً بعد أفق، حتى تبلغ البشريةُ أقصى تمكينها وتتجسد الآيةُ الكبرى: {وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا}.

فإنَّ تمامَ النضجِ الإنسانيِّ المنشود يبلغ ذروته الكبرى حين يتطابق تسارعُ النمو المعرفي مع اكتمال دستوره الأخلاقي والروحي، فلا انكسار ولا انشقاق بعدها ولا عجز...

حينها تبلغ البشرية ذروة استوائها الأخير وتوازنها المطلق. 

​وعندها تشرقُ تلك المرحلةُ الموعودةُ في آخرِ الزمانِ بنزولِ عيسى عليه السلام مؤمناً ومُظهِراً لما بشّر به من قبل...

ويُعمُّ السلامُ والكمالُ وجهَ الأرضِ... 

وحينها، يكتملُ المعنى الأعظم لدائرة الوجود: حيث كان خروجُ الإنسانِ من الجنة الأولى بضعف النسيان والنزعة المتوقدة للحياة... 

ليكابد مخاض الأرض ومدارسها، ثم يعود إليها في النهاية —لا مجرد ساكنٍ كما كان، بل كإنسانٍ كاملٍ ناضجٍ ومحققٍ للأمانة... 

جديراً بالاستقرار الأبدي في جنة الوعد والخلود.

أطيب الأوقات...

سعاد الحكيم Cc

تنويه: ليس تفسيراً ولا شرح أحاديث. مجرد قراءة تأملية تدبرية.


تاجز:
  • فلسفة إسلامية
  • ​تأملات قرأنية
  • ​فكر وثقافة
  • ​التاريخ البشري
  • ​الوعي والوجود
  • ​قصة الخلق
  • ​إسكاتولوجيا (أو: آخر الزمان)
  • ​مقالات أدبية

الأحد، 11 أكتوبر 2026

الاضطرار وثمن التغيير

مساء الخير..

 الاضطرار وثمن التغيير

كثيرٌ من الناس يدعو، ولكن قليلًا منهم ينتبه إلى أن الدعاء ليس المشكلة في الغالب، بل الاستعداد للدعاء.

فالإنسان حين يرفع حاجته إلى الله يظن أن القضية كلها قد انتقلت إلى السماء، وأن ما بقي عليه إلا الانتظار. ثم يمر الزمن فلا يرى أثر مطلوبه، فيدخل في دائرة الحيرة.

غير أن السؤال قد يكون في موضعٍ آخر.

إن الخلط الأكبر ليس بين الدعاء وعدم الدعاء، بل بين إجابة الدعاء وظهور أثر الدعاء.

ذلك أن الإجابة من الحق شيء، وتجسد أثرها في الواقع شيء آخر.

فقد يكون المطلوب قد فُتح له من جهة الرحمة، لكن صاحبه لم يكتمل بعد من جهة الاستعداد. وكثيرًا ما يتوجه الإنسان إلى بابٍ يتمنى فتحه، بينما هو لم يصبح بعدُ الشخص القادر على عبور ذلك الباب إذا فُتح.

لذلك كان الإلحاح في الدعاء سرًا لا يدركه من يظنه مجرد تكرارٍ للطلب.

فالإلحاح ليس وسيلة لإقناع الله، وإنما هو وسيلة لاكتشاف حقيقة الحاجة.

إنه امتحان للرغبة.

فكم من أمنية ظنها صاحبها مطلبًا مصيريًا، ثم نسيها بعد أيام. وكم من دعاء عاد إليه مرة بعد مرة، حتى كشف له أن الأمر ليس خاطرًا عابرًا، بل احتياجًا حقيقيًا في بنية حياته.

وحين يتحول الدعاء من أمنية إلى احتياج، يبدأ طورٌ آخر من الرحلة.

يتوقف الإنسان عن سؤال: متى يأتي المطلوب؟

ويبدأ بسؤال: ما الذي ينقصني لأصبح أهلًا له؟

وهنا يولد التوكل.

فالتوكل ليس انتظار النتيجة، بل العمل على استكمال شروطها.

وليس الأخذ بالأسباب زيادةً على الدعاء، بل هو جزء من صدقه.

فالنتيجة لا تنفصل عن شروط تحققها.

ومن أدق أوهام النفس أنها تريد الثمرة دون الشجرة، والحصاد دون الزرع، والأثر دون سببه. أما النضج الحقيقي فيبدأ عندما يكف الإنسان عن الاعتقاد أن النتيجة يمكن أن تنفصل عن شروط تحققها.

عند هذه النقطة يقترب من معنى الاضطرار.

والاضطرار ليس كما يتصوره الناس مجرد شدة الحاجة إلى المطلوب.

بل هو لحظة أعمق من ذلك.

إنه اللحظة التي يكف فيها الإنسان عن التفاوض مع ثمن التغيير.

اللحظة التي يقتنع فيها اقتناعًا كاملًا أن ما يطلبه يستحق أن يدفع فاتورته.

فيصبح دعاؤه الصامت:

"يا رب، لقد اقتنعت أخيرًا أن ما أطلبه يستحق أن أصبح الشخص القادر على حمله."

هناك يتغير كل شيء.

فلا يعود يرى الأسباب عقبات بينه وبين الإجابة، بل يراها أجزاءً منها.

ولا يعود العمل على نفسه مؤخرًا للفرج، بل طريقًا إليه.

ولا يعود التغيير ثمنًا مفروضًا عليه، بل شرطًا رضي به واختاره.

فالمضطر عندها لا يكون قد بلغ ذروة الحاجة إلى المطلوب فحسب...

بل يكون قد بلغ ذروة الاستعداد لدفع ثمنه.

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc


•التوكل
•التواكل
•الدعاء
•الاضطرار
•الاستعداد
•الأخذ بالأسباب
•التنمية الروحية
•ابن عربي

السبت، 10 أكتوبر 2026

العائدون من بحر النور

أنت أيها العائد من بحر النور.. 
اشتاق إنسان الوجود إلى نغماتك
(عن سلام التحيات - رؤية حرفية)

 إهداء: 

إلى الدكتورة سعاد الحكيم

التي أعادت للعودة مقامَها بعد أن شُغل كثيرون بمقام الوصول، وأشارت إلى أن الواصل لا يكتمل معناه عند الشاطئ الذي بلغه، بل عند العودة بعد الوصول.

مساء الأنوار..

ليس أشدَّ خطأً من أن يظن الإنسان أن الغاية من النور هي السكون هناك.

فكثيرون يتحدثون عن الوصول، وقليلون يتحدثون عن العودة. وكأن المقصود من الشهود أن يقيم الشاهد فيما رأى، لا أن يرجع بما رأى إلى الخلق.

فمن دخل بحر النور ثم بقي فيه، فقد نال حظه. أما من دخله ثم عاد بقبس منها فقد أضاء حياة الناس بما جاء به.

ومن هنا كان السلام أعظم من أن يكون حالةً باطنية يُغلق عليها صاحبها أبواب صدره.

إنه قبسٌ يُحمَل.

وقبسٌ يُوزَن.

وقبسٌ يُبلَّغ.

في رحلة السلام يغيب حامل القبس أولًا. كحال اللام الأولى في الكلمة؛ تدخل على النور فلا يُسمع لها صوت. تغشاها شمس المعنى حتى يتراجع أثرها. لا دعوى هناك، ولا إعلان، ولا مطالبة بالظهور. هنالك مقام التعرّض للنور فحسب.

ثم تأتي لحظة الانتشار.

لحظة خروج الأثر من الجمع إلى الحركة.

وكأن المعنى يتردد في أرجاء السلوك قبل أن يتردد على اللسان:

 {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}.

فليس المقصود أن يُحاط النور بالأسوار، بل أن يجد طريقه إلى العالم.

ثم تعود اللام الثانية.

وتعود ظاهرة بعد أن كانت الأولى خفية.

لكنها لا تعود كما ذهبت.

إنها تعود حاملةً قبسًا من النور الذي غشاها.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

لأن المشكلة ليست في الوصول إلى النور.

وليست في حمل القبس.

بل في شرعية العودة به.

فالذي يعود من بحر النور لا يحمل ما معه إلى الخلق مباشرة. إذ لا يكفي أن يرى، ولا يكفي أن يذوق، ولا يكفي أن يحمل.

بل لا بد أن يعرض ما حمل على مقام النبوة؛ لأن النبوة هي الميزان الذي تُعرف به الجهات، وتُردُّ به الدعاوى، ويُفرَّق به بين الهداية والالتباس.

ثم يعرضه على عباد الله الصالحين؛ لأن الجماعة المؤمنة ليست جمهورًا يتلقى، بل شهادةٌ حية تحفظ الاتجاه وتمنع انحراف الطريق.

ثم يوضح النفس الذي يستمد منه معناه وحركته ومورده؛ لأن العلم لا ينفصل عن النفس الذي يحمله، ولا عن الوجهة التي ينطلق منها.

ولهذا لم يترك هاروت وماروت العلم مجردًا من بيان الموقف، بل قدّما التعريف على التعليم، فقالا:

 {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}.

فالمعرفة التي لا تُظهر مرجعيتها قد تتحول من نور إلى فتنة، ومن هداية إلى التباس.

فإذا استقام المحمول على ميزان النبوة، وشهد له الصالحون، وعُرف النفس الذي يتحرك به، فُتح الباب الأخير.

باب الإذن.

باب الإفشاء.

باب الخروج إلى الناس.

عندها فقط يصبح السلام سلامًا.

ولهذا لم يكن الأمر:

احفظوا السلام.

ولا:

اختزنوا السلام.

وإنما:

«أفشوا السلام».

لأن السلام لا يكتمل في صدر رجل واحد، بل يكتمل حين يدور بين القلوب، وينتقل من روح إلى روح، ومن إنسان إلى إنسان.

وحينئذ يصبح فضل الجماعة مفهومًا.

فالفرد قد يحمل قبسًا.

أما الجماعة فتجعل القبس متداولًا.

والنور الذي يسكن فردًا واحدًا يضيء صاحبه، أما النور الذي يدور بين الناس فيصنع عالمًا أكثر سلامًا.

لهذا لم يشتق إنسان الوجود إلى الساكنين عند أبواب الأنوار بقدر ما اشتاق إلى أولئك الذين عادوا منها.

عادوا حاملين قبسًا أمينًا.

وعادوا خاضعين لميزانه.

وعادوا معروفي المرجع والوجهة.

ثم مضوا به بين الخلق وأضافوا نغمةً جديدة إلى نشيد الوجود.

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc

تنويه: ليست تفسيراً ولا شرحاً لأحاديث. مجرد تأملات تدبرية.

تاجز:
​سعاد الحكيم
​العودة من النور
​فقه السلام
​إنسان الوجود
​التصوف والفلسفة
​مقالات فكرية
​فلسفة النور
​إفشاء السلام

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

سماع ردّ التحية في التشهّد

"كنت ابحث عن سر متعته صلى الله عليه وسلم وصحابته في اقامة الصلاة.. واحسست أن هذه اللقطة ليست متعة وراحة فقط، بل هي جنة العارفين على الأرض."

مساء الخير..

حين يبلغ المصلّي التشهّد يقول:

التحيات لله.

ويمضي عليها كما مضى عليها ألف مرة من قبل، حتى يخطر له يومًا أن يتوقف عندها قليلًا. 

ليست التحيات خبرًا هنا، بل تحية. وليست وصفًا، بل إن العبد يرفع إلى ربّه ما يملكه من الثناء والتعظيم والإجلال.

ثم يقع البصر على بقيّة العبارة: والصلوات والطيبات [لك]. فتنشأ فجأةً إمكانية أخرى للقراءة.

ماذا لو قُرئ التشهّد من زاوية قوله تعالى:
﴿وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾؟

عندها لا تعود الكلمات صفًّا واحدًا من الألفاظ المتجاورة، بل تصبح حركةً كاملة: "كأنه يقول هو: التحيات لله، فيسمع الرد من القديم: والصلوات والطيبات".

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc

تنويه: ليست تفسيراً ولا شرحاً لأحاديث. مجرد قراءة تأملية تدبرية.

علامات (Tags):
الصلاة
التشهد
التأمل الروحي
مناجاة الله
أسرار الصلاة
قرة العين
العارفون بالله
التحية في التشهد

قرة العين

أهداء الى روح #ابن_عربي 

صباح الخير..

 قرة العين

لم يكن الحديث النبوي: «حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة» تعدادًا لمحبوبات متفرقة، كما يتوهم من يقف عند ظاهر اللفظ. إذ ليست حكمة الفص المحمدي في ذكر النساء والطيب والصلاة، بل في ترتيبها؛ لأن الترتيب هنا هو المعنى، وهو الطريق.

فالإنسان لا يبدأ بالحقيقة، بل بالصورة.

والصورة أول ما يلقاه في العالم.

ولهذا جاءت النساء أولًا.

وليست المرأة هنا مجرد شخص، وإنما هي رمز الظهور والتعيّن. 
فكل ما ظهر في صورة، وكل ما خرج من الغيب إلى المشهد، يحمل نصيبًا من هذا المعنى. 

إنها عالم الخلق كله وهو يتجسد أمام البصر. 

وليس هذا إلغاء لظاهر الحديث وحب النبي لأهله، بل الظاهر هو الباب، والرمز هو ما وراء الباب.

ولذلك كان الإنسان يرى الصورة قبل أن يرى سرّها، ويرى الأثر قبل أن يعرف مؤثره.

ثم يأتي الطيب.

والطيب عجيب الشأن؛ لأنه يُدرك ولا يُرى.

فإذا كانت الصورة تُدرك بالبصر، فإن الطيب يُدرك بالأثر. لا يقع عليه النظر، وإنما يُستدل عليه بحضوره. وكأن الوعي قد ارتفع من شهود الأجسام إلى شهود المعاني السارية فيها.

هنا يبدأ الانتقال من الخلق إلى ما وراء الخلق.

ومن الصورة إلى الدلالة.

ومن المظهر إلى الأثر.

فالصورة تخبر بوجود الشيء، أما الأثر فيخبر عن سره.

ثم تنتهي الرحلة إلى الصلاة.

وهنا يبلغ الصعود منتهاه.

فالصلاة ليست صورة أخرى من صور العالم، وليست أثرًا من آثاره، بل هي طلب الحضور نفسه. ولذلك لم يقل: "حُبِّبت إليّ الصلاة"، كما قيل في النساء والطيب، بل قال:

"وجُعلت قرة عيني في الصلاة."

فالحب طلب.

أما قرة العين فسكون بعد الطلب.

والعين لا تقر إلا إذا بلغت ما كانت تبحث عنه.

لهذا كانت الصلاة نهاية المعراج.

وفيها يتدرج الوعي كما يتدرج الوجود.

في البداية يقيم المصلي الصلاة، فيسعى إليها بقصدٍ واعٍ واختيار مقصود.

ثم يركع قائلًا:

"سبحان ربي العظيم".

وهنا لا تختفي الكثرة، بل تُرد إلى أصلها.

ينظر إلى الأسباب فلا ينكرها، لكنه لا يتوقف عندها. ويرى الأفعال جميعًا، ثم يشهد وراءها الفاعلية الواحدة. ولذلك ترد آيات النعم والخلق إلى مصدرها الواحد:

 ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.

فإن كان الركوع توحيدًا للأفعال، فإن السجود انتقال إلى ما هو أبعد.

في السجدة الأولى يتنزه القلب عن نسب الخير والشر، وعن التقابلات التي تحكم عالم الإنسان. فلا يجعل هذه النسب حدودًا للحقيقة، بل يشهد أنها أحكامٌ في العالم لا قيودٌ على الحق.

ثم تأتي السجدة الثانية.

وهنا يرتفع حجاب آخر أشد خفاء.

فليس المقصود تنزيه الحق عن أحكام العالم فحسب، بل تنزيهه حتى عن كثرة التجليات نفسها. فلا تتعلق النفس بالأسماء ولا بالصور ولا بالمراتب، مهما علت. إذ تبقى كلها وجوهًا للظهور، لا أصل الظهور.

عندها لا يبقى في النظر شيءٌ سوى الواحد.

هناك تنتهي الصورة.

وينتهي الأثر.

وتنتهي الكثرة.

ويبدأ الحضور.

ومن هنا تتجلى حكمة الحديث.

فالنساء صورة.

والطيب أثر.

والصلاة حضور.

وهي ليست ثلاثة أشياء، بل ثلاث درجات في رحلة واحدة؛ رحلة الوعي من شهود المظهر إلى شهود المُظهِر، ومن رؤية الأثر إلى معرفة صاحبه، ومن العالم إلى الحقيقة التي بها قام العالم كله.

ولهذا كانت الصلاة قرة العين.

لأنها ليست عبادةً فحسب، بل عودة. ليست عملًا يؤديه الإنسان، بل مقامًا يعود فيه كل شيء إلى أصله، وتسكن فيه العين بعد طول تطوافها بين الصور والآثار، إذ لا يبقى محل للنظر إلا إليه.

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc

تنويه: ليست تفسيراً ولا شرحاً لحديث. مجرد قراءة تأملية تدبرية.

​قرة العين
​تأملات إيمانية
​عرفان وفلسفة
​الحديث النبوي
​رحلة الوعي
​أسرار الصلاة
​التوحيد والحضور
​مقالات فكرية

الخميس، 8 أكتوبر 2026

إذا تردّى المال

مساء الخير..

في القراءة المألوفة لقوله تعالى:

 ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

ينصرف الذهن إلى الإنسان؛ فهو الذي يتردّى ويهلك أو يسقط إلى مصيره. غير أن في الآية احتمالًا آخر جديرًا بالتأمل: ماذا لو كان التردّي عائدًا على المال نفسه؟

إن المال في نظر الناس حصنٌ منيع. كلما ازداد عددُه ازداد شعورهم بالأمان. غير أن المال، ككل شيء في هذا العالم، يعيش داخل الزمن. وما يعيش داخل الزمن لا يبقى على حاله؛ بل يأكله قانون خفي من التآكل والانخفاض.

ولذلك قد يفقد المال قدرته على الإغناء قبل أن يفقد وجوده.

وقد تبقى الأرقام على حالها، بينما تتراجع القيمة الكامنة خلفها. ويبقى المال في اليد، ولكن أثره لا يبقى كما كان. ومن هنا يكتسب التردّي معنى يتجاوز الفقد المباشر إلى فقدان الجدوى نفسها.

ولهذا لا يبدو السؤال في الآية سؤالًا عن بقاء المال أو زواله، بل عن قدرته على الإغناء:

 ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

فالشيء قد يبقى موجودًا بعد أن تبدأ وظيفته في الاضمحلال.

وتلك من أخفى صور الخسارة.

إن الناس يخافون ضياع المال، ولكن القليل منهم يخاف تردّي المال. يخافون خروج الشيء من أيديهم، ولا ينتبهون إلى بقائه بين أيديهم بعد أن يفقد شيئًا فشيئًا من قدرته على النفع.

وهنا يلوح وجه آخر لسياق السورة. فهي لم تجعل الفارق بين الناس غنيًا وفقيرًا، بل جعلته بين من:

 ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

ومن:

﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

وكأن المال لا تُصان قيمته بالاكتناز المطلق، بل بالتوازن بين الأخذ والعطاء. وكأن البخل ليس مجرد منع للغير، بل تعطيل لسنّة تحفظ للمال حيويته وفاعليته. فما من شيء يُعزل عن وظيفته إلا بدأ التردّي يدب إليه من حيث يظن صاحبه أنه يحفظه.

وعندئذٍ يصبح معنى الآية بالغ القسوة والعمق:

ليس كل مال يغني. وقد يأتي على المال وقتٌ يبقى فيه حاضرًا صورةً، غائبًا أثرًا. وحين يدخل في ذلك المسار الصامت من التناقص، لا يعود حصنًا لصاحبه، بل يصبح شاهدًا على حقيقة لم يدركها إلا متأخرًا:

أن المال لا ينهار حين يُفقد فقط، بل قد ينهار بالتردّى.

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc


قراءة تأملية تدبرية. ليست تفسيراً.

العلامات:
​▪︎فلسفة وتأملات ▪︎مفاهيم قرآنية ▪︎الثقافة المالية ▪︎سورة الليل ▪︎إضاءات فكرية ▪︎الإنفاق والبخل ▪︎سيكولوجية المال

ليس أثقل ما يحمله الإنسان ما كُلِّف به


صباح الخير..

ليس أثقل ما يحمله الإنسان في حياته ما كُلِّف بحمله، وإنما ما لم يُكلَّف به ثم ظن أنه مسؤول عنه.

فكثير من الناس يظنون أن اليسر هو قلة الأعمال، وأن العسر هو كثرة الأعباء. ولكن التأمل في سورة الليل يفتح بابًا آخر للفهم. يقول تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

ثم يقول في المقابل:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

ولعل السؤال الذي يستحق الوقوف عنده ليس: ما اليسرى؟ وما العسرى؟ بل: ما الذي سبق كلتيهما؟

لقد سبق اليسرى تصديقٌ بالحسنى، وسبق العسرى تكذيبٌ بالحسنى.

فإذا فُهمت الحسنى على أنها شهود الحسن الإلهي وآثار الربوبية في الوجود، فإن المسألة تنتقل من دائرة الأخلاق إلى دائرة الرؤية. إذ يصبح المصدق بالحسنى إنسانًا يرى أن العالم أكبر من إرادته، وأن الأسباب لا تعمل بنفسها، وأن السعي البشري جزء من منظومة أوسع من السعي البشري نفسه.

إنه يعلم أن عليه أن يفكر، وأن يختار، وأن يسعى، وأن يبذل. أما تدبير ما وراء ذلك فليس على كتفيه.

ولذلك كانت الحكمة الفطرية التي يجري بها لسان البسطاء من أعمق الحكم:

العبد في التفكير، والرب في التدبير (حكمة شعبية)

فالإنسان يشارك في توجيه الفعل، لكنه لا يملك وحده صناعة شروط ظهوره. إنه يضع البذرة، لكنه لا يخلق الأرض، ولا المطر، ولا الزمن، ولا قابلية الإنبات.

ومن هنا يتجلى معنى عظيم في قوله تعالى:

 ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

فالفعل ظاهر من العبد، لكن وراءه تدبيرًا أوسع من العبد. والسعي ثابت للإنسان، لكن إحاطة الأسباب والنتائج ليست له.

فإذا غابت هذه الرؤية، وبدأ الإنسان ينسب الفضل كله إلى نفسه، انتقل من مقام:

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

إلى مقام:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾

وهنا يبدأ الاستغناء.

وليس الاستغناء أن يزول الاحتياج؛ فذلك لا يكون لمخلوق. وإنما الاستغناء أن يحتجب عن الإنسان إدراك احتياجه. وأن تتضخم "عندي" حتى تحجب "إن الله معنا".

فإذا توارت "إن الله معنا" من المشهد، لم يخسر صاحبه معنى عقديًا فحسب، بل خسر جزءًا عظيمًا من رافعة مؤازرة أكبر منه.

وهنا تتولد العسرى.

فالعسرى ليست كثرة الأعمال.

وليست كثرة التكاليف.

بل هي أن يحمل الإنسان أمانة الوفاء فيما لا يملك التحكم في تغيراته.

أن يتوهم أن عليه ضمان النتائج، وضبط المستقبل، وتأمين الظروف، وتسيير الأسباب، وحراسة ما لا يملك حراسته.

وهكذا ينتقل من مسؤولية السعي إلى مسؤولية التدبير.

ومن هنا يثقل الحمل.

أما اليسرى فليست تخفيف التكليف، بل إعادة الأشياء إلى أحجامها الصحيحة.

هي أن يعلم الإنسان حدَّه وحدود ربه.

أن يسعى ولا يدّعي التدبير.

أن يبذل ولا يطالب نفسه بضمان الثمرة.

أن يفي بما أُعطي القدرة عليه، ويكل ما وراء ذلك إلى من بيده الأمر كله.

عندئذٍ لا تختفي العقبات، ولكن يزول الحمل الزائد. يتغيّر نوع الألم. يصبح الألم جزءًا من تحديات التجربة الانسانية لا جزءًا من الإدانة الذاتية. وهذا فرقٌ هائل في تجربة الإنسان للحياة.

ولا يتغير العالم بالضرورة، ولكن تتغير علاقة الإنسان به.

وهنا يفهم سرّ اليسرى.

فاليسرى ليست أن يحمل الله عن الإنسان أمانة السعي.

بل أن لا يحمل الإنسان أمانة التدبير. 

والحمد لله رب العالمين.

أطيب الأوقات..


العلامات (Labels): اليسرى والعسرى، التوكل على الله، السعي والتدبير، تدبر القرآن، سورة الليل، خواطر إيمانية، راحة القلب، الثقة بالله

السبت، 21 ديسمبر 2024

انواع الوجود السبعة



انواع الوجود السبعة (كيف كان سيتحدث الشيخ ابن عربي عن انواع الوجود)

 

《احدها واجب الوجود،

وستة وجودها افتراضي》

 

اما واجب الوجود، فهو الذات الالهية الغنية عن العالمين.

 

واول وجود افتراضي يليها هو الاسماء الالهية المعبر عنها بـ "الصمدية"، التي يستمد كل شيء عطايا الربوبية منها. ووجودها افتراضي، كونها "اسماء"، ليس لها وجود مستقل عن واجب الوجود. واذا تصورنا واجب الوجود بمثابة جهة "الكتابة" للعملة، فان جهة "الصورة" منها هي الصمدية.

 

ثم يليها وجود العالم من حولنا. وتثبت الفيزياء الكمومية ان العالم من حولنا ليس سوى موجات من المكونات الاساسية للمادة، ليس لها اي وجود مادي الا بقدر ما يعكسه تشابكها مع اثير الهيجز (Higgs Field). والعالم من حولنا يتكون من اربعة عوالم افتراضية فرعية، هي: المادة المرئية، المادة الغير مرئية، والطاقة الغير مرئية، والاشعاعات. وما يميزها عن بعضها، وعن بقية انواع الوجود الاخرى: ان اي من مكوناتها من العوالم الفرعية تعجز وحيدة عن عكس صورة الصمدية بكاملها بشكل منفرد. فكل واحدة منها لها "نقاط عمياء" تنفرد بها، تقصر بها عن ذلك. وهي اشبه في ذلك بالمرآة الخلفية والمرايا الجانبية في السيارة.

 

والعالم الذي يلي ذلك هو الانسان. وهو عالم افتراضي آخر على مستوى الكمومية، ليس له وجود ذاتي مستقل. وحتى على مستوى الثقافة الدينية، عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بـ "الناس نيام، فاذا ماتوا انتبهوا"؛ فما يجري في الحياة، ماثله بما يجري في الرؤى والاحلام للنائم. ولكن يتميز عالم الانسان بقدرته المنفردة على عكس صورة الصمدية بكل تفاصيلها دون ان يغيب منها شيء. وهو اشبه بمرآة فسيفسائية، كل قطعة منها تعكس تجربة انسانية فريدة من مظاهر الصمدية.





السبت، 25 مايو 2024

نجاة الشيخ محي الدين ابن عربي من مآلات الشطحات الصوفية

 


نجاة الشيخ محي الدين ابن عربي من مآلات الشطحات الصوفية لم يأت محض صدفة. لقد ساهمت فلسفته في جعله "غير قابل لـ اللمس". وسوف يحاول هذا المقال القاء ضوء على محاور فلسفته التي اكسبته تلك الحصانة.

يبدأ المشوار الصوفي عادة بـ "الأنس بالله" سواء بطريق الجذب او الانجذاب، وفي كلتا الحالتين فان المسار بعدها يتحد متجهاً نحو العزلة او الاعتكاف لبذل المزيد من النوافل (وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه).

وفي حين كانت العزلة والاعتكاف مقبرة للعديد من اصحاب التجربة الصوفية الاصيلة، الا ان الشيخ محي الدين ابن عربي كان مؤمناً برسالة رجوعه الى الخلق بعد وصوله الى الحق لعمارة الكون، وقد ابقاه ذلك متصلاً باستمرار بالواقع من حوله، ولم تستغرقه الوحشة من محيطه كما حدث مع كثيرين غيره.

ثم ان رحلة المعرفة بالله تغوص بعمق في حضرة الخيال. فمن اولى لحظات التأمل والتفكر، يجد الصوفي عالمه اشبه بالكون المحيط به، العالم المرئي منه لا يشكل سوى نسبة بسيطة، ربما لا تتعدى الخمسة بالمئة، بينما الباقي عالم غير مرئي، واقع معظمه في ابعاد تخيلية، تعجز عن ادراكه الحواس الطبيعية، ولابد من اعمال خياله فيه لمحاولة تكوين صورة مفهومة عنه.

وفي هذه المرحلة هناك اشكاليتان: الاولى هي محاولة استكشاف الجزء المتمم في حضرة الخيال للجزء الظاهر في الواقع المرئي. والاشكالية الاخرى هي، ان الصور الواردة على حضرة الخيال مجزأة، ومرتبكة، وليس لها جمعية تنظمها. فمثلاً عايننا الشاة تظهر في صورة اسماعيل عليه السلام؛ واخوة يوسف في صورة كواكب، وابويه في صورة الشمس والقمر، والسنوات في صورة بقر في رؤيا الملك!

بالنسبة للاشكالية الاولى، فقد اعتمد الشيخ ابن عربي مبدأ "السببية" حاكماً على  قبول اي امتدادات بين حضرة الخيال والواقع الطبيعي.

وبالنسبة للاشكالية الثانية، فقد اعتمد "التعبير" كطريقة وحيدة لفهم اي رؤى يتم استقبالها عبر قناة حضرة الخيال. ولقد ساهم ذلك بشكل كبير في الحد من اغواء وتغول فيضان الصور والتهيئات والهلاوس التي يزخم بها اثير حضرة الخيال.

وبطبيعة الحال، فان فوضى الصور التي تفيض بها حضرة الخيال تنعكس كذلك بفوضى في اللغة وقدرة الفاظها على التعبير عن مشاهدات ورؤى حضرة الخيال. وهنا نجد الشيخ محي الدين ابن عربي قد الزم نفسه بالالفاظ القرآنية ولم يتعداها الى غيرها؛ ولكنه استعان بحيلة "البوميرانج" (Boomerang) على اللغة، وذلك ما اكسبه تفوقاً متميزاً. فكان يطلق اللفظ حراً ويتتبع حركة رحلته عبر الـ 360 درجة من استخداماته حتى عودته. وقد اعطاه ذلك ثراء منقطع النظير، انعكس على قدرته على التعبير عن مشاهداته دون الخروج عن اللغة المتداولة، وهو ما سمح ببقاءه متصلاً مع واقعه، رغم غرابة المواضيع التي يطرحها ووعورتها.

واخيراً، فانه قد ادرك عجز التفكير الاستدلالي وحيداً على تقديم تفسيرات مناسبة لنصوص مثل "وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى"! وبالتالي استطاع ان يبتكر لنفسه طريقة تفكير شبكية تسمح له بالربط بين الواقع الملموس وامتداداته في حضرة الخيال، وبالتالي استطاع ادخال اثر عوامل جديدة في عملية تفكيره مثل فكرة التجلي الالهي مثلاً. لقد سمحت له هذه الطريقة ابقاء شرط السببية حياً وقائماً ومهيمناً على طريقة تفكيره، ولكنه سمح له في ذات الوقت بان يكون منفتحاً على سلة مهمة من المؤثرات، التي لم يكن التفكير الاستدلالي قادراً على التعامل معها.

                             








السبت، 16 مارس 2024

وفيك انطوى العالم الاكبر!

 


يتكون الكون من مجموعة من المنظومات المترابطة بطريقة ما:

 

1.  مادة عادية،  تشكل حوالي 5% من الكون:

o   مرئية: تشمل جميع المواد التي نراها على الأرض، مثل الكائنات الحية والصخور والماء.

o  غير مرئية: تشمل بعض المواد التي لا نراها، مثل الغبار الكوني والهيدروجين والهيليوم في الفضاء بين النجوم.

 

2.  مادة مظلمة، تشكل حوالي 27% من الكون:

o لا نستطيع رؤيتها بشكل مباشر، لكننا نستنتج وجودها من خلال تأثيرها على حركة النجوم والمجرات.

 

3.  طاقة مظلمة،  تشكل حوالي 68% من الكون.

 

4.  إشعاع،   يشكل اقل من 1% من الكون:

o    يشمل جميع أنواع الضوء، مثل الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية.


ويتفوق الانسان عن كل الكون المحيط به (بجمعيته) التي تضم نظائر كل المنظومات المنفردة في الكون، مجتمعة فيه. وهو امر غير متحقق لاي مكون غيره في هذا الكون. 

وهو راي يتصل بباب مدينة العلم، الامام علي رضي الله عنه، وفيه قال: "وفيك انطوى العالم الأكبر". ومن ابرز مؤيديه من بعده، الشيخ محي الدين ابن عربي احد رواد الفكر والفلسفة الاسلامية.

لماذا هذا الرأي من الآراء المثيرة للاهتمام والفضول؟!

لأنه الوحيد بين الآراء تقريباً الذي يقدم اجابة ممكنة لسؤال مثير للجدل: 

كيف وقف آدم عليه السلام، ووقف بجانبه ابليس، وكلاهما ملطخ بآثار خطيئته امام رب العالمين، ولكن آدم عليه السلام انتبه الى باب التوبة والمغفرة، بينما عجز ابليس عن ذلك؟!

الرأي السابق يقترح أن كل المنظومات المكونة للكون تتمايز عن بعضها (بنقاط عماء) في بعضها عن بعض. المادة المظلمة مثلاً،  لها نقطة عماء تجاه التفاعل مع الضوء، وبالتالي هي عاجزة عن القيام بابسط ما تقوم به المادة العادية، وهو الظهور في الكون، نتيجة قدرة الاخيرة على التفاعل مع الضوء.

وبالمثال، فان ابليس لم تسمح له نقاط عماءه (الطبيعية) رؤية الحالة المركبة التي يتيحها علو القدرة الالهية من الوقوف على نفس المسافة من الابتلاء بالشر والخير. بينما تفوَّق آدم عليه السلام برؤية ذلك بجمعيته الفريدة بين العالَمِين (وعلم آدم الاسماء كلها)؛ وهو ما جعله يتمتع أيضاً برؤية رواق الصمدية الذي تتبدل من خلاله تجليات ابواب الربوبية، فاستطاع ان يرى الكريم وهو يتجلى في اسم منتقم، ويستعيذ به منه؛ فكان مَرْضِياً مطلقاً.

واظن ان ذلك مما سيظل متفرداً به الانسان الكامل، حتى عن المخلوقات التي ربما يستضيفها العالم مستقبلاً.










السبت، 4 نوفمبر 2023

الملائكة والشياطين: رمزية الضوء والنار

 

تتعرض ادبيات عديدة لتصوير الملائكة بالكائنات النورية، وتصوير الشياطين بالكائنات النارية .وهذه التصورات ربما حفزت التفكير في الاختلافات بين الطاقة الضوئية والطاقة الحرارية، والاسقاطات الممكنة من ذلك على عوالم الكائنات النورية والكائنات النارية. 

لعل ابرز الاختلافات بين الطاقة الضوئية والطاقة الحرارية ان الطاقة الضوئية لها مستويات طاقة محددة يمكن ان تكون عليها ولا تكون على غيرها؛ ولعل ذلك يذكرنا بتعريف الملائكة عن نفسها بـ (وما منا الا له مقام معلوم). اما الطاقة الحرارية فليست مرتبطة بمستويات محددة من الطاقة.

والاختلاف الرئيسي الثاني، هو ان الطاقة الضوئية قادرة على انتاج (شغل) بالمعني الفيزيائي للكلمة بشكل مباشر، دون الحاجة الى تدخل خارجي لتمكين ذلك. بينما تحتاج الطاقة الحرارية الى تدخل خارجي لتركيز انتشار ذراتها قبل ان تكون قادرة على انتاج (شغل). ولعل ذلك يفسر كثرة تداول فكرة جلسات (تحضير) الجن في الاعمال السحرية؛ كما ان ابليس نفسه، عرف عن نفسه في القرآن الكريم بانه (وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي)؛ فهو عاجز عن انتاج اي (شغل) الا بتمكين الانسان له من نفسه للقيام بذلك.

انتهى.




الأحد، 29 أكتوبر 2023

السعودية واستراتيجية جذب الشركات الدولية: تقييم ورأي

 

تستفيد الدول من نقل مقرات الشركات الدولية إليها من خلال مجموعة من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بالإضافة إلى هذه الفوائد، يمكن أن يؤدي نقل مقرات الشركات الدولية إلى تحسين بيئة الأعمال في الدولة، مما يجعلها أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية. كما يمكن أن يؤدي إلى زيادة التنافسية بين الشركات المحلية والدولية، مما يساهم في تطوير الاقتصاد الوطني.

وبالنسبة للمملكة، هناك العديد من العوامل التي تدفع الشركات الدولية ان تضع في اعتبارها نقل مقراتها إليها:

·       تتمتع السعودية بقيادة ديناميكية وطموحة، وتلعب دورًا رائدًا في التحول في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وقد ترغب أي شركة دولية في نقل مقرها إلى السعودية من أجل الاستفادة من هذا التحول.

·       موقع المملكة الاستراتيجي بين أوروبا وآسيا، مما يجعلها مركزًا تجاريًا ولوجستيا رئيسيًا يمنح الشركات الدولية سيولة الوصول إلى الأسواق العالمية.

·       الاقتصاد القوي والنمو المستمر والمستقر في المملكة.

·       البنية التحتية المتطورة في المملكة، بما في ذلك المطارات والموانئ والطرق السريعة والاتصالات.

بالطبع، هناك بعض التحديات التي قد تواجهها أي شركة دولية عند التفكير في نقل مقرها إلى السعودية، مثل:

·       التكاليف المالية والإدارية لنقل مقراتها الى السعودية.

·       نقص المهارات، حيث لا تزال السعودية تعاني من نقص في بعض المهارات الفنية.

·       الثقافة المحلية، فقد تواجه الشركات الدولية بعض التحديات في التكيف مع الثقافة المحلية.

ورغم وعي المملكة التام بمدى صعوبة وقسوة بعض هذه التحديات لدرجة قد تفوق مرونة بعض تلك الشركات على اتخاذ قرار نقل مقراتها الى المملكة الا انها تتخذ موقفاً متشدداً تجاه سريان عقود الشركات التي تتأخر عن القيام بذلك. وهو ما لا يجب الانصراف في تقدير تبعاته الى ابعد من سعيها لإحراز مركز تفاوضي يسمح لها بالتفاوض على مجموعة من النقاط الحيوية في تقدمها، ومن ابرزها ممارسة ضغط ايجابي مشروع: 


·       لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المملكة والذي يمكن أن يساعد في تنمية الاقتصاد السعودي وخلق فرص عمل.

·       ولتعزيز الابتكار والتكنولوجيا في المملكة، والذي يمكن أن يساهم في زيادة جاذبية المملكة كمركز عالمي للأعمال والاستثمارات.




الأحد، 8 أكتوبر 2023

تخصيب البويضة من هويات غير تقليدية: سابقة تاريخية وإمكانيات مستقبلية

 


سؤال: هل تخصيب البويضة من هويات غير تقليدية له سابقة في التاريخ البشري؟ وهل يمكن ان تكون خيرة وآمنة واخلاقية في نفس الوقت؟

 

الغريب، ان الاجابة هي: نعم! فقد شاءت ارادة الله ان يتم تخصيب البويضة في خلق عيسى عليه السلام بروح منه، وليس من نطفة. 

 

والغريب ايضاً هو ما نتج عن ذلك! فالهويات المكونة (للزيجوت) حافظت على استقلاليتها خلال عمليات انقسام الخلايا. وبالتالي، نما المولود بهويتين مستقلتين. وكان يمكنه التناوب بين الهويتين باختيار واعي بينهما.

 

هذه النقطة الاخيرة تجعل من الممكن التصور، ولو نظرياً، ان يتمكن النوع البشري يوماً ما من تخصيب البويضة من هوية غير تقليدية معدلة جينياً بأفضل انتاجات الذكاء الصناعي مثلاً، وبالتالي انتاج سلالات بقدرات متفوقة تتمكن في ذات الوقت من المحافظة على هوية النوع البشري فيها.




الجمعة، 22 سبتمبر 2023

الحظوظ في الحياة

 


الحظوظ هي الفرص التي تتاح للإنسان في حياته، والتي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق النجاح أو الازدهار. ومع ذلك، هناك العديد من الأسباب التي قد تمنع الناس من تحقيق حظوظهم، ومنها:

عدم القدرة على رؤية الفرص

السبب الأول هو عدم القدرة على رؤية الفرص من الأساس. قد يكون هذا بسبب محدودية القدرات الحسية للإنسان، أو بسبب التركيز على أمور أخرى قد تحجب الرؤية عن الفرص المتاحة.

 

رؤية الفرص متأخرًا

السبب الثاني هو رؤية الفرص متأخرًا جدًا، بحيث لا يعود ممكنًا فعل شيء حيالها. قد يكون هذا بسبب عدم اليقظة أو الحذر، أو بسبب عدم وجود المعلومات الكافية لاتخاذ قرار بشأن الفرصة.

عدم القدرة على اغتنام الفرص

السبب الثالث هو رؤية الفرص مبكراً بشكل كافي، ولكن حدود قدرات الشخص وامكانياته لا تساعده على اغتنامها. قد يكون هذا بسبب عدم امتلاك المهارات أو الخبرات اللازمة، أو بسبب عدم وجود الموارد الكافية.

وهذه الأسباب الثلاثة تجدها بشكل متفاوت ولكن بتركيز كبير بين الاشخاص الذين يعتقدون بانهم مسيرون في حياتهم.

الحل: تنمية القدرات الحسية والشخصية

لمقاومة شعور التسيير، وتحقيق حظوظ أكبر في الحياة، من المهم أن يكون الشخص قادراً على رؤية طيف الاختيارات المتاحة أمامه اساساً بشكل مبكر كافي، واستعداده للتعامل معها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

·       تنمية وتطوير قدرات جهازه الحسي لالتقاط افاق اوسع من الفرص في محيطه. يمكن القيام بذلك من خلال التركيز على التفاصيل، والوعي بالبيئة المحيطة، والانفتاح على التجارب الجديدة.

·       تطوير الشخص لقدراته باستمرار لزيادة سعته على الاستفادة من حظوظ اكبر من البيئة المحيطة به. يمكن القيام بذلك من خلال التعليم والتدريب، واكتساب المهارات والخبرات الجديدة، وتطوير الذات.

الخلاصة

الحظوظ في الحياة ليست أمرًا عشوائيًا، بل هي نتيجة لعوامل عديدة، منها القدرات الحسية والشخصية للإنسان. من خلال تنمية هذه القدرات، يمكن للإنسان أن يزيد من فرصه في تحقيق النجاح والازدهار.