الجمعة، 9 أكتوبر 2026

قرة العين

أهداء الى روح #ابن_عربي 

صباح الخير..

 قرة العين

لم يكن الحديث النبوي: «حُبِّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة» تعدادًا لمحبوبات متفرقة، كما يتوهم من يقف عند ظاهر اللفظ. إذ ليست حكمة الفص المحمدي في ذكر النساء والطيب والصلاة، بل في ترتيبها؛ لأن الترتيب هنا هو المعنى، وهو الطريق.

فالإنسان لا يبدأ بالحقيقة، بل بالصورة.

والصورة أول ما يلقاه في العالم.

ولهذا جاءت النساء أولًا.

وليست المرأة هنا مجرد شخص، وإنما هي رمز الظهور والتعيّن. 
فكل ما ظهر في صورة، وكل ما خرج من الغيب إلى المشهد، يحمل نصيبًا من هذا المعنى. 

إنها عالم الخلق كله وهو يتجسد أمام البصر. 

وليس هذا إلغاء لظاهر الحديث وحب النبي لأهله، بل الظاهر هو الباب، والرمز هو ما وراء الباب.

ولذلك كان الإنسان يرى الصورة قبل أن يرى سرّها، ويرى الأثر قبل أن يعرف مؤثره.

ثم يأتي الطيب.

والطيب عجيب الشأن؛ لأنه يُدرك ولا يُرى.

فإذا كانت الصورة تُدرك بالبصر، فإن الطيب يُدرك بالأثر. لا يقع عليه النظر، وإنما يُستدل عليه بحضوره. وكأن الوعي قد ارتفع من شهود الأجسام إلى شهود المعاني السارية فيها.

هنا يبدأ الانتقال من الخلق إلى ما وراء الخلق.

ومن الصورة إلى الدلالة.

ومن المظهر إلى الأثر.

فالصورة تخبر بوجود الشيء، أما الأثر فيخبر عن سره.

ثم تنتهي الرحلة إلى الصلاة.

وهنا يبلغ الصعود منتهاه.

فالصلاة ليست صورة أخرى من صور العالم، وليست أثرًا من آثاره، بل هي طلب الحضور نفسه. ولذلك لم يقل: "حُبِّبت إليّ الصلاة"، كما قيل في النساء والطيب، بل قال:

"وجُعلت قرة عيني في الصلاة."

فالحب طلب.

أما قرة العين فسكون بعد الطلب.

والعين لا تقر إلا إذا بلغت ما كانت تبحث عنه.

لهذا كانت الصلاة نهاية المعراج.

وفيها يتدرج الوعي كما يتدرج الوجود.

في البداية يقيم المصلي الصلاة، فيسعى إليها بقصدٍ واعٍ واختيار مقصود.

ثم يركع قائلًا:

"سبحان ربي العظيم".

وهنا لا تختفي الكثرة، بل تُرد إلى أصلها.

ينظر إلى الأسباب فلا ينكرها، لكنه لا يتوقف عندها. ويرى الأفعال جميعًا، ثم يشهد وراءها الفاعلية الواحدة. ولذلك ترد آيات النعم والخلق إلى مصدرها الواحد:

 ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.

فإن كان الركوع توحيدًا للأفعال، فإن السجود انتقال إلى ما هو أبعد.

في السجدة الأولى يتنزه القلب عن نسب الخير والشر، وعن التقابلات التي تحكم عالم الإنسان. فلا يجعل هذه النسب حدودًا للحقيقة، بل يشهد أنها أحكامٌ في العالم لا قيودٌ على الحق.

ثم تأتي السجدة الثانية.

وهنا يرتفع حجاب آخر أشد خفاء.

فليس المقصود تنزيه الحق عن أحكام العالم فحسب، بل تنزيهه حتى عن كثرة التجليات نفسها. فلا تتعلق النفس بالأسماء ولا بالصور ولا بالمراتب، مهما علت. إذ تبقى كلها وجوهًا للظهور، لا أصل الظهور.

عندها لا يبقى في النظر شيءٌ سوى الواحد.

هناك تنتهي الصورة.

وينتهي الأثر.

وتنتهي الكثرة.

ويبدأ الحضور.

ومن هنا تتجلى حكمة الحديث.

فالنساء صورة.

والطيب أثر.

والصلاة حضور.

وهي ليست ثلاثة أشياء، بل ثلاث درجات في رحلة واحدة؛ رحلة الوعي من شهود المظهر إلى شهود المُظهِر، ومن رؤية الأثر إلى معرفة صاحبه، ومن العالم إلى الحقيقة التي بها قام العالم كله.

ولهذا كانت الصلاة قرة العين.

لأنها ليست عبادةً فحسب، بل عودة. ليست عملًا يؤديه الإنسان، بل مقامًا يعود فيه كل شيء إلى أصله، وتسكن فيه العين بعد طول تطوافها بين الصور والآثار، إذ لا يبقى محل للنظر إلا إليه.

أطيب الأوقات..

سعاد الحكيم Cc

تنويه: ليست تفسيراً ولا شرحاً لحديث. مجرد قراءة تأملية تدبرية.

​قرة العين
​تأملات إيمانية
​عرفان وفلسفة
​الحديث النبوي
​رحلة الوعي
​أسرار الصلاة
​التوحيد والحضور
​مقالات فكرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق