صباح الخير..
ليس أثقل ما يحمله الإنسان في حياته ما كُلِّف بحمله، وإنما ما لم يُكلَّف به ثم ظن أنه مسؤول عنه.
فكثير من الناس يظنون أن اليسر هو قلة الأعمال، وأن العسر هو كثرة الأعباء. ولكن التأمل في سورة الليل يفتح بابًا آخر للفهم. يقول تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
ثم يقول في المقابل:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
ولعل السؤال الذي يستحق الوقوف عنده ليس: ما اليسرى؟ وما العسرى؟ بل: ما الذي سبق كلتيهما؟
لقد سبق اليسرى تصديقٌ بالحسنى، وسبق العسرى تكذيبٌ بالحسنى.
فإذا فُهمت الحسنى على أنها شهود الحسن الإلهي وآثار الربوبية في الوجود، فإن المسألة تنتقل من دائرة الأخلاق إلى دائرة الرؤية. إذ يصبح المصدق بالحسنى إنسانًا يرى أن العالم أكبر من إرادته، وأن الأسباب لا تعمل بنفسها، وأن السعي البشري جزء من منظومة أوسع من السعي البشري نفسه.
إنه يعلم أن عليه أن يفكر، وأن يختار، وأن يسعى، وأن يبذل. أما تدبير ما وراء ذلك فليس على كتفيه.
ولذلك كانت الحكمة الفطرية التي يجري بها لسان البسطاء من أعمق الحكم:
العبد في التفكير، والرب في التدبير (حكمة شعبية)
فالإنسان يشارك في توجيه الفعل، لكنه لا يملك وحده صناعة شروط ظهوره. إنه يضع البذرة، لكنه لا يخلق الأرض، ولا المطر، ولا الزمن، ولا قابلية الإنبات.
ومن هنا يتجلى معنى عظيم في قوله تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
فالفعل ظاهر من العبد، لكن وراءه تدبيرًا أوسع من العبد. والسعي ثابت للإنسان، لكن إحاطة الأسباب والنتائج ليست له.
فإذا غابت هذه الرؤية، وبدأ الإنسان ينسب الفضل كله إلى نفسه، انتقل من مقام:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
إلى مقام:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾
وهنا يبدأ الاستغناء.
وليس الاستغناء أن يزول الاحتياج؛ فذلك لا يكون لمخلوق. وإنما الاستغناء أن يحتجب عن الإنسان إدراك احتياجه. وأن تتضخم "عندي" حتى تحجب "إن الله معنا".
فإذا توارت "إن الله معنا" من المشهد، لم يخسر صاحبه معنى عقديًا فحسب، بل خسر جزءًا عظيمًا من رافعة مؤازرة أكبر منه.
وهنا تتولد العسرى.
فالعسرى ليست كثرة الأعمال.
وليست كثرة التكاليف.
بل هي أن يحمل الإنسان أمانة الوفاء فيما لا يملك التحكم في تغيراته.
أن يتوهم أن عليه ضمان النتائج، وضبط المستقبل، وتأمين الظروف، وتسيير الأسباب، وحراسة ما لا يملك حراسته.
وهكذا ينتقل من مسؤولية السعي إلى مسؤولية التدبير.
ومن هنا يثقل الحمل.
أما اليسرى فليست تخفيف التكليف، بل إعادة الأشياء إلى أحجامها الصحيحة.
هي أن يعلم الإنسان حدَّه وحدود ربه.
أن يسعى ولا يدّعي التدبير.
أن يبذل ولا يطالب نفسه بضمان الثمرة.
أن يفي بما أُعطي القدرة عليه، ويكل ما وراء ذلك إلى من بيده الأمر كله.
عندئذٍ لا تختفي العقبات، ولكن يزول الحمل الزائد. يتغيّر نوع الألم. يصبح الألم جزءًا من تحديات التجربة الانسانية لا جزءًا من الإدانة الذاتية. وهذا فرقٌ هائل في تجربة الإنسان للحياة.
ولا يتغير العالم بالضرورة، ولكن تتغير علاقة الإنسان به.
وهنا يفهم سرّ اليسرى.
فاليسرى ليست أن يحمل الله عن الإنسان أمانة السعي.
بل أن لا يحمل الإنسان أمانة التدبير.
والحمد لله رب العالمين.
أطيب الأوقات..
العلامات (Labels): اليسرى والعسرى، التوكل على الله، السعي والتدبير، تدبر القرآن، سورة الليل، خواطر إيمانية، راحة القلب، الثقة بالله