مساء الخير..
في القراءة المألوفة لقوله تعالى:
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
ينصرف الذهن إلى الإنسان؛ فهو الذي يتردّى ويهلك أو يسقط إلى مصيره. غير أن في الآية احتمالًا آخر جديرًا بالتأمل: ماذا لو كان التردّي عائدًا على المال نفسه؟
إن المال في نظر الناس حصنٌ منيع. كلما ازداد عددُه ازداد شعورهم بالأمان. غير أن المال، ككل شيء في هذا العالم، يعيش داخل الزمن. وما يعيش داخل الزمن لا يبقى على حاله؛ بل يأكله قانون خفي من التآكل والانخفاض.
ولذلك قد يفقد المال قدرته على الإغناء قبل أن يفقد وجوده.
وقد تبقى الأرقام على حالها، بينما تتراجع القيمة الكامنة خلفها. ويبقى المال في اليد، ولكن أثره لا يبقى كما كان. ومن هنا يكتسب التردّي معنى يتجاوز الفقد المباشر إلى فقدان الجدوى نفسها.
ولهذا لا يبدو السؤال في الآية سؤالًا عن بقاء المال أو زواله، بل عن قدرته على الإغناء:
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
فالشيء قد يبقى موجودًا بعد أن تبدأ وظيفته في الاضمحلال.
وتلك من أخفى صور الخسارة.
إن الناس يخافون ضياع المال، ولكن القليل منهم يخاف تردّي المال. يخافون خروج الشيء من أيديهم، ولا ينتبهون إلى بقائه بين أيديهم بعد أن يفقد شيئًا فشيئًا من قدرته على النفع.
وهنا يلوح وجه آخر لسياق السورة. فهي لم تجعل الفارق بين الناس غنيًا وفقيرًا، بل جعلته بين من:
﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
ومن:
﴿بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
وكأن المال لا تُصان قيمته بالاكتناز المطلق، بل بالتوازن بين الأخذ والعطاء. وكأن البخل ليس مجرد منع للغير، بل تعطيل لسنّة تحفظ للمال حيويته وفاعليته. فما من شيء يُعزل عن وظيفته إلا بدأ التردّي يدب إليه من حيث يظن صاحبه أنه يحفظه.
وعندئذٍ يصبح معنى الآية بالغ القسوة والعمق:
ليس كل مال يغني. وقد يأتي على المال وقتٌ يبقى فيه حاضرًا صورةً، غائبًا أثرًا. وحين يدخل في ذلك المسار الصامت من التناقص، لا يعود حصنًا لصاحبه، بل يصبح شاهدًا على حقيقة لم يدركها إلا متأخرًا:
أن المال لا ينهار حين يُفقد فقط، بل قد ينهار بالتردّى.
أطيب الأوقات..
سعاد الحكيم Cc
قراءة تأملية تدبرية. ليست تفسيراً.
العلامات:
▪︎فلسفة وتأملات ▪︎مفاهيم قرآنية ▪︎الثقافة المالية ▪︎سورة الليل ▪︎إضاءات فكرية ▪︎الإنفاق والبخل ▪︎سيكولوجية المال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق