أنت أيها العائد من بحر النور..
اشتاق إنسان الوجود إلى نغماتك
(عن سلام التحيات - رؤية حرفية)
إهداء:
إلى الدكتورة سعاد الحكيم
التي أعادت للعودة مقامَها بعد أن شُغل كثيرون بمقام الوصول، وأشارت إلى أن الواصل لا يكتمل معناه عند الشاطئ الذي بلغه، بل عند العودة بعد الوصول.
مساء الأنوار..
ليس أشدَّ خطأً من أن يظن الإنسان أن الغاية من النور هي السكون هناك.
فكثيرون يتحدثون عن الوصول، وقليلون يتحدثون عن العودة. وكأن المقصود من الشهود أن يقيم الشاهد فيما رأى، لا أن يرجع بما رأى إلى الخلق.
فمن دخل بحر النور ثم بقي فيه، فقد نال حظه. أما من دخله ثم عاد بقبس منها فقد أضاء حياة الناس بما جاء به.
ومن هنا كان السلام أعظم من أن يكون حالةً باطنية يُغلق عليها صاحبها أبواب صدره.
إنه قبسٌ يُحمَل.
وقبسٌ يُوزَن.
وقبسٌ يُبلَّغ.
في رحلة السلام يغيب حامل القبس أولًا. كحال اللام الأولى في الكلمة؛ تدخل على النور فلا يُسمع لها صوت. تغشاها شمس المعنى حتى يتراجع أثرها. لا دعوى هناك، ولا إعلان، ولا مطالبة بالظهور. هنالك مقام التعرّض للنور فحسب.
ثم تأتي لحظة الانتشار.
لحظة خروج الأثر من الجمع إلى الحركة.
وكأن المعنى يتردد في أرجاء السلوك قبل أن يتردد على اللسان:
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}.
فليس المقصود أن يُحاط النور بالأسوار، بل أن يجد طريقه إلى العالم.
ثم تعود اللام الثانية.
وتعود ظاهرة بعد أن كانت الأولى خفية.
لكنها لا تعود كما ذهبت.
إنها تعود حاملةً قبسًا من النور الذي غشاها.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
لأن المشكلة ليست في الوصول إلى النور.
وليست في حمل القبس.
بل في شرعية العودة به.
فالذي يعود من بحر النور لا يحمل ما معه إلى الخلق مباشرة. إذ لا يكفي أن يرى، ولا يكفي أن يذوق، ولا يكفي أن يحمل.
بل لا بد أن يعرض ما حمل على مقام النبوة؛ لأن النبوة هي الميزان الذي تُعرف به الجهات، وتُردُّ به الدعاوى، ويُفرَّق به بين الهداية والالتباس.
ثم يعرضه على عباد الله الصالحين؛ لأن الجماعة المؤمنة ليست جمهورًا يتلقى، بل شهادةٌ حية تحفظ الاتجاه وتمنع انحراف الطريق.
ثم يوضح النفس الذي يستمد منه معناه وحركته ومورده؛ لأن العلم لا ينفصل عن النفس الذي يحمله، ولا عن الوجهة التي ينطلق منها.
ولهذا لم يترك هاروت وماروت العلم مجردًا من بيان الموقف، بل قدّما التعريف على التعليم، فقالا:
{إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}.
فالمعرفة التي لا تُظهر مرجعيتها قد تتحول من نور إلى فتنة، ومن هداية إلى التباس.
فإذا استقام المحمول على ميزان النبوة، وشهد له الصالحون، وعُرف النفس الذي يتحرك به، فُتح الباب الأخير.
باب الإذن.
باب الإفشاء.
باب الخروج إلى الناس.
عندها فقط يصبح السلام سلامًا.
ولهذا لم يكن الأمر:
احفظوا السلام.
ولا:
اختزنوا السلام.
وإنما:
«أفشوا السلام».
لأن السلام لا يكتمل في صدر رجل واحد، بل يكتمل حين يدور بين القلوب، وينتقل من روح إلى روح، ومن إنسان إلى إنسان.
وحينئذ يصبح فضل الجماعة مفهومًا.
فالفرد قد يحمل قبسًا.
أما الجماعة فتجعل القبس متداولًا.
والنور الذي يسكن فردًا واحدًا يضيء صاحبه، أما النور الذي يدور بين الناس فيصنع عالمًا أكثر سلامًا.
لهذا لم يشتق إنسان الوجود إلى الساكنين عند أبواب الأنوار بقدر ما اشتاق إلى أولئك الذين عادوا منها.
عادوا حاملين قبسًا أمينًا.
وعادوا خاضعين لميزانه.
وعادوا معروفي المرجع والوجهة.
ثم مضوا به بين الخلق وأضافوا نغمةً جديدة إلى نشيد الوجود.
أطيب الأوقات..
سعاد الحكيم Cc
تنويه: ليست تفسيراً ولا شرحاً لأحاديث. مجرد تأملات تدبرية.
تاجز:
سعاد الحكيم
العودة من النور
فقه السلام
إنسان الوجود
التصوف والفلسفة
مقالات فكرية
فلسفة النور
إفشاء السلام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق