الأحد، 18 أكتوبر 2026

توسيع مفهوم الاستدامة

صباح الخير..

الأثر العابر للعوالم: هل نحتاج إلى توسيع مفهوم الاستدامة؟
تأمل منهجي

مقدمة: من الاستدامة الأحادية إلى الاستدامة التعددية

تقوم فلسفة الاقتصاد الدائري المعاصر على مبدأ «صفر نفايات» (Zero Waste)، حيث يتم سحب كل المخرجات العضوية وإعادة إدخالها في دورة إنتاج مغلقة. هذا المبدأ، على وجاهته في إطار عالم الإنسان، يفترض ضمناً أن الأرض نظام مغلق مكون من منتج واحد ومستهلك واحد: الإنسان.

لكن هذا الافتراض يصطدم مع نصوص تأسيسية في الثقافة الإسلامية تشير إلى وجود مستهلكين آخرين ضمن المنظومة نفسها.

الأساس النصي: دورة غذائية عابرة

ورد في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجن: «لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم». ثم قال للصحابة: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم».

يُفهم من هذا النص في التصور الإسلامي:

أن هناك كائنات عاقلة (الجن) تعتمد في جزء من غذائها على بعض مخلفات الإنسان العضوية.
أن هناك توجيهاً تشريعياً يمنع الإنسان من إفساد هذه المادة، لضمان بقائها صالحة.
أي أن الدورة الغذائية، وفق هذا التصور، ليست دائرية أحادية، بل متداخلة بين عالمين.

الإشكالية: التدوير الكامل كتهديد محتمل للإمداد

المشاريع البيئية الحديثة، مثل محطات تحويل المخلفات إلى طاقة (Waste-to-Energy) وتقنيات طحن العظام لإنتاج الأعلاف أو البلاستيك الحيوي، تقوم بسحب العظم والروث بشكل شبه كامل من البيئة المفتوحة إلى أنظمة مغلقة.

من منظور بيئي أحادي هذا إنجاز. أما من منظور بيئي تعددي، فقد يُقرأ كإزالة لمصدر غذائي محتمل لنوع آخر، وهو ما يشبه في علم البيئة مبدأ الإقصاء التنافسي (Competitive Exclusion)، ويغفل مفهوم "الخدمات البيئية غير المرئية" (Invisible Ecosystem Services)، حيث تؤدي الدوائر غير المنظورة أدواراً غير محسوبة في استقرار المنظومة الشاملة.

مقترح تأملي: مؤشر الأثر على العوالم الأخرى

كتمرين فكري أولي، يمكن التفكير في إضافة بنود استكشافية إلى دراسات الأثر البيئي:

مؤشر اضطراب الموطن: مساحة المواطن التقليدية (الخرابات والمزابل) التي يزيلها المشروع بشكل كامل ومعقّم.
مؤشر الأمن الغذائي العابر: كمية المخلفات المنصوص عليها (العظم والروث) التي تُسحب من الدورة المفتوحة إلى دورة مغلقة.
مؤشر التداخل الزمني: مدى تزامن الأعمال الثقيلة مع أوقات انتشار الشياطين المذكورة في النصوص (من أفق الغروب إلى العشاء).

التوصية: من التعقيم الكامل إلى المحمية البرزخية

الهدف ليس إيقاف التدوير، بل الانتقال من فلسفة «التعقيم الكامل» إلى فلسفة «المحمية البرزخية». كما نترك محميات للحيوانات المهددة، يمكن التفكير في ترك نسبة رمزية من المخلفات العضوية أو المساحات غير المعقمة، كتعبير عن الالتزام بمبدأ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

إن الماء الآسن يفقد قدرته على التطهير. والفكر الآسن الذي يظن أن الأرض لنا وحدنا، يفقد قدرته على إنتاج استدامة حقيقية.

أطيب الأوقات.

سعاد الحكيم Cc

تنويه: هذا الطرح هو تمريـن فكري واستكشافي يسعى لفتح آفاق جديدة في فلسفة البيئة، ولا يهدف إلى تعطيل أو التقليل من أهمية التقنيات البيئية والتنموية الحديثة.

المراجع:

• صحيح مسلم، كتاب الطهارة
• Ellen MacArthur Foundation – Circular Economy Principles.

• الاستدامة
• الاقتصاد الدائري
• صفر نفايات
• التصور الإسلامي للبيئة
• الجن
• فلسفة البيئة
• المحمية البرزخية
• دورة غذائية عابرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق