السبت، 28 ديسمبر 2019

حادثة وثلاث رسائل



خلال الاعوام ٢٠١٥م - ٢٠١٩م، احتد الخلاف بين الولايات المتحدة و المملكة حول ثلاث قضايا رئيسية: اليمن، وقطر والتخلص المدبر من جثمان الصحفي جمال خاشقجي..

وتفاقم الخلاف بين الطرفين بعد حادثة الاعتداء على مرافق ارامكو في ١٤ سبتمبر ٢٠١٩م..

فبالرغم من محاولة المملكة حث الولايات المتحدة على عدم ترك فراغ منها في المنطقة (باظهار الرغبة الحثيثة للاعبين دوليين لدور في المنطقة والذي ظهر جلياً من زيارة الرئيس بوتين في اكتوبر ٢٠١٩م) الا أن ذلك لم يحرك ساكناً لدى الولايات المتحدة، وبدا انها تركتها لتتدبر اختياراتها لمواجهة الموقف وحيدة - بالرغم من اشتراك تصوراتهما حول الجهة المدبرة للحادثة..

 ويبدوا أن المملكة اختارت ثلاث رسائل للتعبير عن توجهاتها:

§   اطلاق يد العمل الديبلوماسي لاطفاء ملفات اليمن، والقطيعة مع قطر وقضية جمال خاشقجي.
§  تحريك القلق بالاضطرار لانتقال بين خيارات بدلاء للشراكة.
§    تأكيد رفض الاتجاه الاسلامي الثوري المتشدد، من خلال التوغل في تغيير مظاهر اسلوب الحياة.

وهي مجموعة رسائل، في محصلتها:

§   الرغبة في ردم التباعد مع الولايات المتحدة في القضايا المختلف عليها.
§   تضخيم صورة اللاعبين الدوليين على دكة البدلاء لحث الولايات المتحدة على عدم ترك فراغ منها في المنطقة.
§  تأكيد ضرورة القيام بعمل فاعل، باليد او (بالقلب) - وهو اضعف الايمان - تجاه الاسلام الثوري المتشدد.








الاثنين، 11 نوفمبر 2019

مقابلات روزفلت في البحيرات المرة - الاختيار لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية



خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية مفلسة. وكان ملحاً عليها أن تقوم بخطوتين مهمتين بشكل عاجل:

§  لملمة أطرافها المنتشرة في كل أنحاء المعمورة، وانهاء تواجدها في العديد منها؛ وأهم ما يعنينا من تلك الخطوة هما مصر وفلسطين. 
§  النجاح في اقناع أحد الحلفاء باقراضها بما يكفي وبشروط مفضلة تمكنها من الخروج من حالة الافلاس التي تمر بها.

وقد كان مقدراً أن تتقدم الولايات المتحدة للقيام بمهمة الانقاذ تلك بِقَدَم، والحلول في المناطق التي سينسحب منها الانجليز بالقَدَمِ الأخرى.

ولذلك، استحسن روزفلت القاء نظرة على التركة الانجليزية التي سيرثها في منطقة الشرق الأوسط على طريق عودته من اجتماع مالطا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؛ خاصة وانها فرصة سانحة للقاء شخصية أعجب بها كثيراً عند لقائها وهو الملك المؤسس للمملكة العربية السعودية والتي تغطي رمالها ما كشفت الأيام لاحقاً أنه أكبر شراكة أميريكية خارج الولايات المتحدة.

لقد رسمت اهتمامات روزفلت من تلك الرحلة جدول اللقاءات التي قام بها على ظهر الطراد يو اس اس كوينسي، التي رست وسط البحيرات المرة على مجرى قناة السويس ذات يوم من شهر فبراير 1945م.

لقد التقى جلالة الملك عبد العزيز آل سعود. ثم التقى الملك فاروق ملك مصر. والتقى بعدها رئيس جمهورية تركيا عصمت اينونو.

كان الرابح الأكبر من تلك اللقاءات هو جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، والذي اضافة الى الاعجاب الظاهر الذي حظي به من روزفلت، فقد حصل على ما عرف لاحقاً بـ اتفاق كوينسي.

ثاني أنجح اللقاءات كان من نصيب الرئيس عصمت اينونو، فقد اطمأن روزفلت الى تأكيدات تركيا خلعها لكل اهتمام يربطها ببقايا السلطنة والخلافة؛ ولا شك أن ذلك منحه شعوراً بدرجة مهمة من الراحة تجاه مستقبل انسحاب الانتداب البريطاني من فلسطين ونتائجه.

وكانت أسوأ النتائج من نصيب اللقاء بالملك فاروق.

فعلى المستوى الشخصي، لم يعجب روزفلت بالملك فاروق منذ بداية لقائهما، فقد كتب في يومياته قائلاً: "لا أعرف لماذا كان ملك مصر يرتدي زي أميرال أسطول بحري وهو لا يملك في البحر غير يخت للنزهة. ان فاروق يذكرني بجيل من امراء اوروبا اللذين أغرقهم الترف حتى ذابت عندهم ارادة الفعل وأخذتهم المظاهر حتى ضيعت منهم جوهر الشخصية".

وعلى عكس الرئيس عصمت اينونو الذي حافظ على حياد تركيا التام في غالبية فترة الحرب العالمية الثانية، وقاد انضمامها الى صفوف الحلفاء في الأيام الأخيرة من الحرب؛ ظهرت فلتات عديدة من الملك فاروق في سورات غضبه من السفير الانجليزي في مصر – مايلز لامبسون – كشفت عن استعداد وميل يثير الشكوك والارتياب منه بشكل متكرر نحو دول المحور.

وقد زاد التقييم سوءاً، الأطماع والثأرات التاريخية بين أسرة محمد علي والجزيرة العربية، وكذلك بين الأولى والولايات الشامية والتي تقع فلسطين في قلبها – وما يحمله الملك فاروق من ميراث لتلك الأسرة بصفته سليلها ورمزها القائم.

لقد ظهر الملك فاروق الحلقة الأضعف في سلسلة المقابلات الشخصية التي قام بها روزفلت في تلك الرحلة، وترتبت أحداث مهمة لاحقة في المستقبل أملتها تصورات روزفلت يومها لمنطقة الشرق الأوسط.





الأحد، 10 نوفمبر 2019

المقابلات الشخصية لروزفلت - الاختيار لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية





خرجت بريطانيا من الحرب العالمية الثانية مفلسة. وكان ملحاً عليها أن تقوم بخطوتين مهمتين بشكل عاجل:

§  لملمة أطرافها المنتشرة في كل أنحاء المعمورة، وانهاء تواجدها في العديد منها؛ وأهم ما يعنينا منها هما مصر وفلسطين. 
§  النجاح في اقناع أحد الحلفاء باقراضها بما يكفي وبشروط مفضلة تمكنها من الخروج من حالة الافلاس التي تمر بها.

وقد كان مقدراً أن تتقدم الولايات المتحدة للقيام بمهمة الانقاذ تلك بِقَدَم، والحلول في المناطق التي سينسحب منها الانجليز بالقَدَمِ الأخرى.

ولذلك، استحسن روزفلت القاء نظرة على التركة الانجليزية التي سيرثها في منطقة الشرق الأوسط على طريق عودته من اجتماع مالطا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؛ خاصة وانها فرصة سانحة للقاء شخصية أعجب بها كثيراً عند لقائها وهو الملك المؤسس للمملكة العربية السعودية والتي تغطي رمالها ما كشفت الأيام لاحقاً أنه أكبر شراكة أميريكية خارج الولايات المتحدة.

لقد رسمت اهتمامات روزفلت من تلك الرحلة جدول اللقاءات التي قام بها على ظهر الطراد يو اس اس كوينسي، التي رست وسط البحيرات المرة على مجرى قناة السويس ذات يوم من شهر فبراير 1945م.

لقد التقى جلالة الملك عبد العزيز آل سعود. ثم التقى الملك فاروق ملك مصر. والتقى بعدها رئيس جمهورية تركيا عصمت اينونو.

كان الرابح الأكبر من تلك اللقاءات هو جلالة الملك عبد العزيز آل سعود، والذي اضافة الى الاعجاب الظاهر الذي حظي به من روزفلت، فقد حصل على ما عرف لاحقاً بـ اتفاق كوينسي.

ثاني أنجح اللقاءات كان من نصيب الرئيس عصمت اينونو، فقد اطمأن روزفلت الى تأكيدات تركيا خلعها لكل اهتمام يربطها ببقايا السلطنة والخلافة؛ ولا شك أن ذلك منحه شعوراً بدرجة مهمة من الراحة تجاه مستقبل انسحاب الانتداب البريطاني من فلسطين ونتائجه.

وكانت أسوأ النتائج من نصيب اللقاء بالملك فاروق.

فعلى المستوى الشخصي، لم يعجب روزفلت بالملك فاروق منذ بداية لقائهما، فقد كتب في يومياته قائلاً: "لا أعرف لماذا كان ملك مصر يرتدي زي أميرال أسطول بحري وهو لا يملك في البحر غير يخت للنزهة. ان فاروق يذكرني بجيل من امراء اوروبا اللذين أغرقهم الترف حتى ذابت عندهم ارادة الفعل وأخذتهم المظاهر حتى ضيعت منهم جوهر الشخصية".

وعلى عكس تركيا التي حافظت على حيادها التام في غالبية فترة الحرب العالمية الثانية، وقامت بالانضمام الى صفوف الحلفاء في الأيام الأخيرة من الحرب؛ ظهرت فلتات عديدة من الملك فاروق في سورات غضبه من السفير الانجليزي في مصر – مايلز لامبسون – كشفت عن استعداد يثير الشكوك والارتياب منه بشكل مستمر من مناصرته لدول المحور.

وقد زاد التقييم سوءاً، الأطماع والثأرات التاريخية بين أسرة محمد علي والجزيرة العربية، وكذلك بين الأولى والولايات الشامية والتي تقع فلسطين في قلبها – وما يحمله الملك فاروق من ميراث لتلك الأسرة بصفته سليلها ورمزها القائم.

لقد ظهر الملك فاروق الحلقة الأضعف في سلسلة المقابلات الشخصية التي قام بها روزفلت في تلك الرحلة، وترتبت أحداث مهمة لاحقة في المستقبل أملتها تصورات روزفلت يومها لمنطقة الشرق الأوسط.




الأحد، 20 أكتوبر 2019

مخاطر النسخ المحلية من الملكية الدستورية




لقد تسببت حاشية القصر عام ١٩٦٣م في أزمة داخلية حادة فيما عرف لاحقاً بـ (حادثة الاذاعة)، والتي ادت الى اول سابقة مواجهة عسكرية وشيكة بين الحرس الملكي والحرس الوطني..

ومنعاً لتكرار ما حدث، فقد حاولت مؤسسة الحكم تجربة صيغة قريبة جداً من فكرة الملكية الدستورية لتنظيم الصلاحيات بين الملك وولي عهده، وحصلت على موافقة خطية من الملك بذلك..

ولكن تجربة صيغة الملكية الدستورية بشكلها المحلي فشلت عندما قام الملك لاحقاً عام ١٩٦٤م بخلق ازمة دستورية جديدة بطلبه استرداد صلاحياته التنفيذية، وكسر تعهده والتزامه بالاتفاق المبرم سابقاً في هذا الصدد؛ مما دفع الوضع الى حافة صدام كارثي جديد بين المؤسسات العسكرية للدولة..

الامر الذي دعا مؤسسة الحكم للتدخل مجدداً، وتقرير فشل التجربة السابقة؛ والعودة الى النظام الملكي التقليدي الذي أرساه المؤسس؛ والاجماع على طلب تنازل الملك عن العرش - بصفته الطرف الخارج على اتفاق مؤسسة الحكم - لضمان عدم تكرار ما حدث نهائياً وبشكل بات.




السبت، 31 أغسطس 2019

حتمية (الربيع) الصيني




أعلم أن هذه المشاركة سباحة عكس التيار، ولكن أظن أن لها اعتباراتها الوجيهة:

أولاً، استمرار التحايل والتلاعب الصيني للاستفادة من مزايا ادراج (دولة نامية) في منظمة التجارة العالمية رغم وصول اقتصادها الى المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة.

ثانياً، عدم اضطلاع الصين بمستوى مسئولية يليق بحجمها كلاعب مستفيد رئيسي من الأمن والسلم والرفاهية التي تتحمل تبعات تحقيقها مجموعة الاقتصادات الكبرى حول العالم.

ورغم مطالبة الولايات المتحدة الصريحة للصين باجراءات اصلاحية في هذا الاطار منذ سبتمبر 2015م، الا ان الصين لا يبدوا انها تتعامل بجدية مع هذه المطالبات؛ ولكن مجموعة الاقتصادات الكبرى تبدوا عازمة على فرض هذه الاصلاحات ولو بشكل قسري على الصين هذه المرة.

هذا الوضع من معارضة مجموعة الاقتصادات الكبرى لقبول التعايش مع الاساليب الصينية السابقة، وممانعة القيادة الصينية للاذعان بقبول فرض ضرائب عليها لاصلاح الخلل في النظام العالمي الذي خلقته  بتصرفاتها؛ يدفع الحالة الى وضعية ثورية لا محالة.

ما هي النتيجة المحتملة لهذه الوضعية الثورية؟

يبدوا أن سيناريو انفصال فيدرالي لمراكز الاقتصاد والانتاج الصينية عن بقية البر الرئيسي للصين هو النتيجة الأكثر ترجيحاً.  





الاثنين، 12 أغسطس 2019

أين أخفقت تصورات السيدة كوندليزا رايس حول الفوضى الخلاقة





(الفوضى الخلاقة) تحاكي فكرة ما يجري في غرف الاحتراق الداخلي للمحركات.. أولاً، الضغط على الظروف الداخلية لبلد حتى تصل للغليان.. ثم نشر التوتر في شريحة شعبية حرجة بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.. ثم حادثة تفجر الوضع..
وقد اثبتت التجربة أن ذلك الفعل قادر على خلق فوضى فعلاً.. ولكن فوضى فقط..
وهذا واضح جداً في سيناريوهات سوريا وليبيا واليمن..
لقد أخفقت نظرية السيدة كوندليزا رايس في تصوراتها حين أعتقدت أن الفوضى في دولة ما ذاتية التحول الى تشكيل خلَّاق..
الصحيح، أن الفوضى لا تمتلك نزعة ذاتية فيها نحو التحول الى تشكيل خلَّاق. وانما لابد من وجود جيش مستنير حامي للشعب والحياة المدنية لتحفيز ذلك. وهو ما ظهر جلياً في نجاح التجربة المصرية والجزائرية والسودانية.




الخميس، 18 يوليو 2019

قولي باي باي يا مدام!




من جرب الاتصال الدولي عبر السنترال في مصر قديماً يعرف لطافة المصريين على سجيتها. عادة يبدأ الاعداد للاتصال بمهاتفة السنترال والطلب منه الاتصال بالرقم الفلاني في الدولة الفلانية، ثم تغلق الخط وتنتظر معاودة اتصاله بك لاحقاً ليفتح لك خط الاتصال بالرقم المطلوب

ومن لحظة فتح الخط يبدأ العد التنازلي للوقت الذي طلبته لمدة الاتصال..

اللطيف في الموضوع، انه قبل نهاية المدة التي اخترتها لمدة الاتصال بلحظات، يتدخل السنترال على خط المكالمة منبهاً على اقتراب المكالمة من نهايتها لاعداد الطرفين لانهاء المكالمة بشكل لطيف بدلاً من انقطاع الاتصال بشكل مفاجيء ينزع الطمأنينة بينهما.

وشخصياً كنت طرفاً في مكالمة تلقيتها مرة من كريمتي من هناك، وقبل نهاية المكالمة تدخل السنترال بيننا وكرر عبارته اللطيفة لها: قولي باي باي يا مدام.. قولي باي باي!

 تذكرت ذلك وأنا أحاول النظر في الآثار الجانبية المحتملة للتوتر القائم بسبب التحرشات الايرانية في المنطقة.

لا شك أن تباين مواقف الولايات المتحدة وروسيا منها يلقي بعبء ثقيل على أي جهة تتعرض لضغط ادارة علاقة متشابكة، مصالحها النفطية مع طرف، ومصالحها السياسية مع الطرف الآخر..

أحد أهم الآثار الجانبية المحتملة هو تدخل السنترال في أي لحظة على خط الاتصال الذي تم طلبه والسعي له منذ 10 ديسمبر 2016م بين اوبك ودول التعاون المشترك والطلب بلطفه المعتاد: قولي باي باي يا مدام!