الخميس، 27 سبتمبر 2018

لماذا من المتوقع أن تمتد فترة الانتعاش الحالية لأسعار النفط لفترة أطول هذه المرة؟



فعلياً، تسببت المضاربات المحمومة على النفط من جهة مديري صناديق الاستثمار في دفع الأسعار الى ما وراء ما تحتمله  أساسيات القيمة العادلة؛ تزامن ذلك مع ظهور فوضى استخدام بعض الدول عوائد النفط في ممارسات ساهمت في الاخلال بالامن الدولي على حساب التنمية التي كان من الممكن التغاضي عن خروج الاسعار عن مسارها العادل في سبيل تحقيقها؛ الأمر الذي قضى على كل حوافز وجود الأسعار عند تلك المستويات، وادى في النهاية الى ترك الاسعار للانهيار في 2008م.
ما يهمنا اليوم من رصد ذلك هو، أن معظم الدول التي شاركت في الفوضى بسلوكها السيء، واضاعت فرص تنموية جوهرية  على شعوبها - وعلى غيرهم - لـحساب مغامرات زائفة، قد تم التضييق عليها  بشكل حاسم في فترة الانتعاش الحالية لاسعار النفط - من خلال العقوبات.
ولذلك، فانه من المتوقع أن تمتد فترة الانتعاش الحالية لفترة أطول هذه المرة، وبأسعار تسمح بفرصة جديدة لتحقيق برامج تنموية مهمة للدول المتقيدة بشروط التنمية من الدول المنتجة، وبما يسمح للولايات المتحدة بمنحة من السماء  لردم جزء مهم من دَيْنها العام بحكم أن شركاتها هي المنتج الاكبر للنفط على مستوى العالم.
       

السبت، 22 سبتمبر 2018

السقوط الحر لأسعار النفط في يوليو 2008م ولماذا حدث؟



في الفترة بين 2003م الى 2008م دخلت العولمة في اوجها، وازداد الطلب على النفط تبعاً لذلك..

حدث ذلك بعد عقد تقريباً من انخفاض كبير في الاستثمار في مشروعات الطاقة، الامر الذي فاقم من ازمة المعروض؛ وبالتالي ساهم في زيادة ارتفاع الاسعار.

وزاد من حدة الحالة، المخاوف التي أثارها التوجه الايراني حينها نحو مشروعات التخصيب، والتي أثارت الذعر في المنطقة والعالم، وداعت الى الذاكرة مجدداً امكانية تأثر امدادات النفط بما قد يسببه النزاع المحتمل في المنطقة.

وفاقمها الى عنان السماء، دخول مديري صناديق الاستثمار. الذين رأوا في النفط مادة أولية مناسبة للاستثمار، خاصة وان التوقعات حول الطلب من الصين والهند كانت تصوراتها بلا حدود آنذاك 

ولكن (الحلو ما يكملش) على رأي المثل..

سياسياً، تسببت زيادة الاسعار الهائلة في نقل أموال ضخمة من المستوردين الى المصدِّرين، والذين في غالبهم  (المصدرين) دول، وبعضها دول كانت تشير لها أصابع اتهام مؤثرة برعاية الارهاب، وبعضها بأن لها مواقف مناهضة للديموقراطية؛ وبالتالي تولد ضغط معاكس غالب بضرورة اجهاض مستويات الاسعار التي وصلت اليها في يوليو 2008، وهو ما كان.



السبت، 8 سبتمبر 2018

نحو نموذج للتفكر في أسماء الله الحسنى



عندما تقف على نقطة القطب الشمالي (او الجنوبي)، فانك تقف على نقطة (احدية) متفردة بالنسبة لخطوط الطول.
تتميز هذه النقاط الأحدية بأنها ملتقى نقاط الطول كلها؛ وبالتالي هي نقاط (عماء) لا يمكن تمييز أي خط طول فيها على حدة.
ربما كان هذا النموذج مناسباً للتفكر في أسماء الله الحسنى.
§        فمن جهة، كونها نقطة التقاء واحدة لكل (الخطوط)، فهي تناسب كثيراً: (ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى).

§        ومن جهة اخرى، فان الأسماء المتقابلة، مثل: القابض والباسط، والظاهر والباطن وغيرها، وما يبدوا بينها من تعارض، فانه يزول في نقاط الأحدية، حيث تذوب معاني الأسماء وتصبح كامنة فيها، وتنعدم أي أحكام ظاهرية مميزة لها عن بعضها.

§        وأخيرأ، فمن حيث كونها نقاط (عماء) فهي تناسب كثيراً الأثر القدسي: (كنت كنزاً مكنوناً، فأردت أن أعرف فخلقت الخلق)؛ وهي صورة تناسب تصور السادة الصوفية عن بداية الكون.



الأربعاء، 29 أغسطس 2018

أهمية اتفاقية استعادة سيناء في الصراع العربي - الاسرائيلي وتكريم مستحق للرئيس السادات من الكونجرس




في اطار انهاء انجلترا لانتدابها على الاراضي الفلسطينية سنة 47، قامت بتقسيم الارض الى ثلاث قطاعات: اراض عربية، واراض اسرائيلية، والقدس. واخذت موافقة اغلبية من الامم المتحدة على ذلك التقسيم؛ مما اكسبه شرعية دولية.

ثم استطاعت اسرائيل في حرب الأيام الستة - سنة 67 - من السيطرة و التوسع وصولاً الى حواف كل الحدود الطبيعية المحيطة بها. شمل ذلك: البحر الميت وهضبة الجولان شرقاً، والحدود اللبنانية شمالاً، والى البحر الاحمر وقناة السويس في الجنوب الغربي.

بطبيعة الحال، لم تتمتع الاراضي التي اخذت بالعدوان في 67 بالشرعية الدولية التي كانت تغطي الحدود الاسرائيلية التي حصلت عليها في سنة 48. 

ومن هنا تأتي اهمية اتفاقية استعادة سيناء التي استطاع احرازها الرئيس السادات – وحيداً.

لقد استطاعت الاتفاقية ان تؤسس لسابقتين مهمتين:

·   اولاً، ان الاراضي التي تم الاستحواذ عليها من قبل الجانب الاسرائيلي في 67، خارج حدود سنة 48، هي اراض تم الاستحواذ عليها بالعدوان والقوة وليس له شرعية غيرها تؤيده. 

·    ثانياً، الاعتراف الاسرائيلي الضمني بحق اصحاب الارض في استعادتها، على اساس ما جرى من اعادة سيناء للدولة المصرية. 

وبذلك يرى الكونجرس ان جهود السيد الرئيس محمد انور السادات، حتى بعد مرور 40 عاماً على توقيع الاتفاقية، هي جهود تستحق التكريم؛ فقد أسست لسابقة مهمة، ليس فقط لحقوق الدولة  المصرية؛ ولكنها قدمت لجميع الدول المتأثرة بنتائج حرب 67 سابقة قانونية لتحقيق استعادة أراضيها كخطوة حيوية في  مسار الوصول الى احلال السلام في المنطقة.







الأحد، 26 أغسطس 2018

ما الذي جرى حول طرح ارامكو مؤخراً؟



عندما نفصل الاحداث عن سياقها التي ظهرت فيه فاننا نتصور ان تطوراتها كانت دراماتيكية باكثر مما يجب! الحقيقة ان هناك سبب وجيه للغط الذي دار حول طرح ارامكو مؤخراً.
لقد صادف يوم 17 أغسطس 2018 يوم صدور تقرير ارامكو السنوي، والذي اكدت فيه كلمة رئيس مجلس ادارة الشركة على:
"إن الشركة واصلت استعداداتها لطرح حصة من أسهمها للاكتتاب العام، وهو الأمر الذي يمثل حدثًا فارقًا تنتظره الشركة ومجلس إدارتها بحماس".
ثم فوجيء الناس - بعد خمسة ايام فقط، يوم 22 أغسطس 2018 - باخبار تتحدث عن الغاء الطرح، وتناقلتها وكالات انباء وصحف رصينة. لقد تسببت الصدفة البحتة (ربما!) في وضع مصداقية كلمة رئيس مجلس ادارة الشركة/الوزير محل شك واستفهام!
الموضوع اذاً ليس طرح حصة من ارامكو او لا؛ فهذا معلوم بأنه عملياً قد انتهى التجهيز له وأصبح البت فيه أمراً سياسيأً صِرفاً. ولكن ما تسبب فيه بث الخبر هو تحريك سؤال اكثر حساسية:

ما الذي جرى خلف الكواليس خلال الخمسة ايام وقلب موازين القرار 180 درجة ولم يكن مطلعاً على تطوراته رئيس مجلس الادارة نفسه؟



الخميس، 14 يونيو 2018

عندما جاء الاخوان على قميص الديموقراطية بدم كذِب مدعين أن (الذئب) اكلها!




عندما قام الاخوان بالانسحاب من انتخابات مجلس الشعب 2010م كانوا قد خلقوا ازمة دستورية لانتخابات الرئاسة القادمة، وجاءوا على قميص الديموقراطية في مصر بدم كذِب مدعين أن (الذئب) اكلها!
لقد فتح ذلك ابواب حصون الدولة المصرية (من الداخل) امام الغزاة للدخول لخلع مؤسسة الرئاسة القائمة بدعوى (الدفاع عن الديموقراطية وحقوق الانسان) كما حدث في سابقة غزو بنما لخلع الرئيس مانويل نورييغا في ديسمبر 1989م؛ مع فارق أن غزو بنما قام به جهاز استخبارات مركزية بينما تم غزو مصر باستئجار اكبر حزب معارضة وبمشاركة شعبية.
الامر المثير للسخرية في دعوى الاخوان، ان (الذئب) الذي اتهم بدم الديموقراطية هو نفسه الرجل الذي نقل مؤسسة الرئاسة في مصر وبخطوة ديموقراطية عملاقة الى الجيل الثالث من الشرعية: شرعية (الانتخابات التعددية المباشرة) من خلال تعديلات دستور 71 في العام 2005م (بعد شرعية الاستفتاء وسابقتها شرعية ثورة 52).
ولكن تبقى هناك اسئلة حائرة للسيد الرئيس محمد حسني مبارك تبحث عن اجابات ملحة لتكتمل صورة ما جرى:
السؤال الأول، لماذا لم يعتذر عن انتخابات الرئاسة لعام 2005م؟
 اعتذاره كان سيرسل رسالة حاسمة لكل المراقبين، ويفسد على كل خصومه نواياهم، واستراحة كانت ستخلصه من كل كوابيس التوريث التي ابتلي بها. اضافة الى انه لو عاد للترشح في الانتخابات التالية لكانت حظوظه حتماً أفضل كثيراً من سابقة الرئيس الامريكي جروفر كليفلاند والذي كان الرئيس الـ 22 للولايات المتحدة، ثم عاد الى صفوف الشعب، ثم عاد وفاز في انتخابات الرئاسة مرة اخرى ليصبح الرئيس الـ 24.  
السؤال الثاني، السيد الرئيس، وبصفته حامي الدستور والمؤتمن عليه، لماذا لم يطالب وبشكل فوري المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب المنتخب بانتخابات عام 2010م وهو يعلم بالضرورة ان وجوده بذلك التمثيل الذي انتهى اليه يخالف روح الدستور الذي قام هو نفسه باجراء تعديلات عليه لتحقيق انتخابات رئاسية تعددية مباشرة عادلة ونزيهة؟




السبت، 2 يونيو 2018

ثورة 25 يناير ونظرية الاحتراق الداخلي



اظن انه من المناسب التقديم لهذه المقالة بنقطتين:

·        لعل من اوائل من تكلم في اخطاء العقل البشري حديثاً هو ادوارد دي بونو، وقد اشار الى ان من ابرز اخطاء العقل البشري هو امكانية خداعه من خلال اخلال تسلسل وصول المعلومات اليه.

وعليه، فان النتيجة العملية التي تترتب على ذلك هي: ان افضل تقييم للامور هو بعد استقرار احداثها وتشكُّل صورتها النهائية. 

واظن ان الواقع الان قد استقر بدرجة كافية تسمح بالقاء نظرة حديثة على ما جرى في 25 يناير بدون تشوهات او على الاقل بقدر محدود جداً منها.

·   اننا نعلم من عملية الاحتراق الداخلي للمحركات، ان هناك عنصرين لابد من تحققهما للحصول على الطاقة الحركية المرجوة منها بكفاءة، وهما:

§        سرعة الاشتعال
§        الاشتعال الكامل لحقنة الوقود

ونظرياً، لتحقيق سرعة الاشتعال، فانه يتم رفع درجة حرارة مزيج الوقود داخل اسطوانة المحرك من خلال ضغطه بمكبس المحرك – حيث هناك علاقة طردية حاكمة بين الضغط ودرجة الحرارة داخل حيز الاسطوانة.

ويتم اتاحة الفرصة لحدوث اشتعال كامل للوقود من خلال تحويل كمية الوقود المحقون الى ذرات قابلة للاشتعال من بخار مزيج الوقود.

الشاهد مما سبق،

يبدوا ان الجهود الرامية لبناء (الفوضى الخلاقة) في المنطقة قد التقطت طرفاً لخيط مهم رات انه من الممكن النسج منه لقصة مثيرة يمكِّن لها تحريك مشروعها في المنطقة؛ وقد تحقق ذلك بوفاة الرئيس حافظ الاسد وخلافة نجله الرئيس بشار الاسد له على سدة الحكم.

توريث الحكم في دولة جمهورية اعتُبِر انتكاسة خطيرة، و خطوة عملاقة الى الوراء في طريق تحقيق الديموقراطية في المنطقة؛ وقصة فيها من الاثارة ما يكفي لدفع جهود برنامج (الديبلوماسية والتنمية) لتسريع وتيرة التغيير في المنطقة لمنع حدوث انتكاسات مشابهة في دول مؤثرة في الشرق الاوسط، وتأكيداً في اهم دولة من دول منظومة الشرق الاوسط – مصر. خاصة وان خطوة توريث الحكم في سوريا تزامنت مع دخول السيد جمال مبارك الى الحياة السياسية، وهو ما دق اجراس الخطر في كل مكان، سواء كانت الخطوة مقصودة او لا.

واغلب الظن ان سرعة تألُّق نجم السيد جمال مبارك، ونجاحه الملفت، شكل ضغوطاً اضافية لضرورة تعجيل اطلاق برنامج (الديبلوماسية والتنمية) في اسرع وقت ممكن، وهو ما تم فعلاً في بدايات العام 2005م. واظن ان من اهم ثماره الاولى، الضغوط التي مورست من اجل تعديل الدستور للسماح بانتخابات تعددية مباشرة في مصر، والتي جاء استجابة لها تعديل دستور 71 في مايو 2005م، واجراء اول انتخابات تعددية مباشرة في سبتمبر من نفس السنة.  

وبالتأكيد، فان قرار السيد الرئيس محمد حسني مبارك المشاركة في انتخابات الرئاسة عام 2005م وفوزه بها لم يساهم بشكل ايجابي في اطفاء مخاوف امكانية توريث الحكم، بل ربما زاد من احتماليتها واجَّجها.

ثم جاءت الضربة القاضية في انتخابات مجلس الشعب عام 2010م.

فوز اعضاء الحزب الوطني الحاكم في تلك الانتخابات باغلبية ساحقة بعد انسحاب الاخوان المسلمين منها (بصفة مستقلين) جعل من المستحيل - بموجب تعديل الدستور في مايو 2005م - الحصول على تأييد خمسة وستون عضواً من اعضاء مجلس الشعب للترشُّح للرئاسة خارج سيطرة الحزب الوطني. 

لقد احرقت هذه الخطوة كل جهود محاولة اثبات حسن النوايا والتطمينات التي حاول ان يقدمها السيد الرئيس محمد حسني مبارك من خلال اجراءات تعديل الدستور في 2005!

وبطبيعة الحال، فان التساؤل حول انسحاب الاخوان المسلمين من الانتخابات، وهل كان انسحاباً نتيجة مضايقات اثناء العملية الانتخابية فعلاً؟ ام هو تصرف مدفوع الثمن؟ يصبح سؤالاً ملحاً جداً جداً هنا...

في ميزان العمل السياسي، اظن ان رواية تضحية الاخوان المسلمين بـ 19% او تزيد قليلاً من مقاعد مجلس الشعب بدون مقابل، نتيجة مجرد مضايقات، تبدوا فكرة افلاطونية وساذجة اكثر مما يمكن تصديقه! 

وأظن ان ما تلى الثورة من مكاسب تحققت بشكل مباشر لجماعة الاخوان المسلمين، ومكافأتهم بكرسي الرئاسة، ودعم ادارة الرئيس اوباما لمكتسباتهم يجعل الاستمرار في التفكير في اطار الانسحاب بسبب المضايقات ضرباً من العبَط!

لقد اسهمت خطوة انسحاب الاخوان المسلمين من انتخابات مجلس الشعب عام 2010م بدون شك في رفع درجة حرارة الموقف بالدرجة اللازمة لتسريع انفجار الثورة!

كان من الممكن وحتى تلك اللحظة ان ينتهي الموقف الى (زوبعة في فنجان) كما هي الحال النمطية لحركات تغيير عديدة في مصر سبقتها.

ولكن المفاجأة كانت في ظهور وسائل التواصل الاجتماعي - ولأول مرة في العمل السياسي - كلاعب اساسي ضمن ادوات أِحداث التغيير التي استخدمتها قوى فرض (الفوضى الخلاقة). لقد اسهمت تلك الوسائل بشكل فاعل في الوصول الى/تحريك مجموعات كبيرة من الناس بسرعة خارجة عن سيطرة الاجهزة الرسمية وجعلها في حالة نشطة قابلة للاشتعال والثورة.

لقد استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي في اول استخدام لها على مستوى العالم في العمل السياسي في تغيير الـ (زوبعة في فنجان) الى اعصار حقيقي اطاح بالنظام.     



الجمعة، 11 مايو 2018

انهيار اسعار النفط في العام 1986م ودروس لم نستفد منها



أولاً، يجب ان اتوجه بالشكر الجزيل للدكتور ماجد المنيف على كتابه (النفط بين ارث التاريخ وتحديات القرن الواحد والعشرين) والذي سلط الضوء بشكل مهم على ما جرى وصولاً بنا الى تلك النقطة المهمة من التاريخ من شهر يوليو 1986م.

كنت دائماً مهتماً باستكشاف ما جرَّنا الى تلك النقطة، ليس لاختصاص يربطني بقطاع النفط بشكل مباشر، ولكن – واعتقد ان هذا ينطبق على غالب جيل ما بعد اكتشاف النفط -  كان العام 1986م عاماً صادماً ومفاجئاً للجميع!

لقد كان العام 1986م المواجهة الاولى لجيل ما بعد اكتشاف النفط بان النفط ليس (عارضٌ ممطرنا) في كل احواله، وان تقلباته جارحه وبشكل غائر؛ وقادرة على تضريج التقارير المحاسبية للمؤسسات/الشركات باللون الاحمر، وعلى نطاق عريض - عامة وخاصة وحتى الكبيرة والمستقرة منها – وبلمح البصر!

كيف وصلنا الى يوليو 1986م؟

عندما نشأت السوق الفورية للنفط، بدا ان دول الاوبك كانت لا تزال تحت تأثير نشوتها بامكانية التأثير على مستويات اسعار النفط  وابقاءها عند مستوياتها المرتفعة - التي تسببت فيها بشكل رئيسي حينها الظروف الاستثنائية للثورة الايرانية والحرب العراقية الايرانية التي تبعتها - من خلال التحكم في كميات الانتاج؛ وهو ما اثبتت الايام لاحقاً انه لم يكن اكثر من مجرد اضغاث احلام.

لقد استطاع سعر السوق ان يفرض كلمته – كما يفعل ذلك في كل مرة – ولكن الاستيقاظ على ما جرى جاء متأخراً جداً. فقد حصل بعد ما وصل انتاج المملكة الى 2.2 مليون برميل يومياً  في اغسطس 1985م وهو مستوى يقارب انتاجها في منتصف الستينات - اي بعد شطب جهود عشرون عاماً كاملة!

وقد حاولت المملكة ان تستدرك ما جرى باللجوء الى ميزتها النسبية الاساسية وهي تكلفة انتاجها المنخفضة بدرجة معتبرة عن غيرها، من خلال انتهاج طريقة تسعير تدعى الـ NETBACK حاولت من خلالها جذب اكبر قدر من المشترين لتفضيلها من حيث انها البائع الذي بامكانه ان يقدم لهم هامش ربح اكبر من غيره.

لقد كانت فكرة ذكية بلا شك بالنسبة لسلعة يصعب بدرجة كبيرة ان تجد لها ميزة نسبية تعطيها تفوقا بين المنتجات المنافسة لها؛ ولكن ما لم يكن في الحسبان، هو تدفق واندفاع المنافسة سريعاً الى اعتماد نفس سياسة التسعير، الامر الذي قاد الوضع الى حرب اسعار مدمرة ادت الى انهيار اسعار النفط وصولاً الى 8.85 دولار لسعر برميل النفط العربي الخفيف في يوليو 1986م (وهو سعر الاشارة الذي يستدل به على تسعير بقية المنتجات).

الشاهد مما سبق:

§        اننا لم نتعلم منذ العام 1986م وحتى 2016م – ثلاثون عاماً! - بان النفط ليس (عارضٌ ممطرنا) في كل احواله، وان تقلباته جارحه وبشكل غائر؛ وقادرة على تضريج التقارير المحاسبية للمؤسسات/الشركات باللون الاحمر، وعلى نطاق عريض – عامة وخاصة وحتى الكبيرة والمستقرة منها – وبلمح البصر!

§        ولم نتعلم كذلك ان الميزة النسبية التي نتمتع بها، من كون تكلفة انتاجنا للنفط منخفضة بدرجة معتبرة عن غيرنا، ليست مكاناً مناسباً لاختيار سياسات من شأنها أن تؤجج حروب اسعار دامية - ولو كنا تعلمنا؛ لوفرنا على انفسنا تكرار تجربة مؤلمة مرة اخرى عندما سمحنا للسيد النعيمي لاحقاً ان يجرنا الى حافة الهاوية خلفه في محاولته (الدونكيخوتيَّة) لمحاربة جدوى النفط الصخري.




السبت، 28 أبريل 2018

وثيقة العمل الحر.. طفرة نوعية في علاج البطالة وخلق فرص العمل



تذهب بعض ادبيات الاعمال الى ان الترقي الطبيعي في عالم الاعمال يمر عبر اربع مراحل: الوظيفة، والعمل الحر، ورب العمل ثم المستثمر.

واظن ان ادارة هذه الصورة بدرجة 90o عكس عقارب الساعة من الممكن ان تضيف معلومة مهمة تعمق من فهم طبيعة هذا الترقي. فسوف ينتج عن هذه الاستدارة ان تظهر مرحلتي الوظيفة والعمل الحر في اساس الشكل.
واعتقد انها تعطينا بذلك فجراً أصدق للتفرقة بين مرحلتين مهمتين هما: مرحلة بناء الموارد المالية والخبرات والمرجعية اللازمة لاعطاء موثوقية مهمة لدعم ما يقدمه الفرد؛ ومرحلة تعظيم القيمة من الموارد المكتسبة.
لماذا هو مهم رؤية الفاصل الاخير عند معالجة موضوع البطالة؟
اعتقد انه يوضح نقطة في غاية الاهمية، وهي: أن رديف جهود التوظيف هو تطوير العمل الحر وليس تطوير دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة. واذا استطعنا فعلياً العمل على تطوير قاعدة عمل حر تسمح لهذا الاساس ببناء موارد مالية وخبرات ومرجعية ذات قيمة عالية؛ فاننا سوف نحصل تلقائياً على منشآت صغيرة ومتوسطة و استثمار رشيد في القطاع الخاص وليس العكس.
واعتقد ان وثيقة العمل الحر بما تسمح به من مرونة للعمل بالتوازي مع فرصة الدراسة او التوظيف، من الممكن ان تشكل مُسَرِّع مهم في بناء الموارد اللازمة؛ كما انها تصحح في نقل حلول معالجة البطالة وخلق فرص العمل من المشاححة على الفرص الوظيفية - المحدودة بطبيعتها في اي اقتصاد - الى رحابة الوفرة في قطاع العمل الحر.
هذا بالاضافة الى، ان وثيقة العمل الحر اذا اقترنت بالهوية الوطنية، وحساب بنكي مرتبط بالعمل الحر قيد الممارسة فانها تقضي على العديد من الممارسات السلبية التي كانت تحوم حول هذا النشاط مثل: التستر واقتصاد الظل وغسيل الاموال.
اعتقد اننا قفزنا فوق ما تقتضيه طبيعة الامور بالتوجه نحو دور لهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وقد حان الوقت ان نعيد التركيز الى حيث يجب ان يكون.   


  

السبت، 14 أبريل 2018

الخروج من ازمة انتكاسة التوقعات



تعاني الاسواق اليوم من متلازمة انتكاسات التوقعات بين الدولة والقطاع الخاص.

فعلى ما يبدو، ان الدولة عاتبة على القطاع الخاص انه لم يطور القطاع كما يجب وبما يلائم ما توفر له من امكانيات (تشير بعض التحليلات ان حجم الناتج المحلي للقطاع الخاص في العام 2015م بلغ 1.214 تريليون ريال فقط، بينما كان من المفترض ان يحقق 3.278 تريليون ريال).

ومن جهة اخرى، فقد استفاد من القروض المقدمة للقطاع الخاص في تسجيل ودائع فادحة دون تحقيق النتائج المرجوة منه. وهكذا، فقد بدا الامر وكأن القطاع الخاص عَامل القروض المقدمة للقطاع الخاص كثروة خاصة به، ونسي مصدرها، والالتزام الذي تعهد بانجازه مقابل حصوله عليها؛ وقد ادى ذلك الى انتكاسة خطيرة في توقعات الدولة من القطاع الخاص.

وعلى ما يبدو، ان الدولة اتخذت اجراءات صارمة للدفاع عن توقعاتها من خلال: ايقاف المشروعات وتعليق مستحقات المقاولين؛ كما اتخذت العديد من الاجراءات لاعادة تركيز السيولة في خزينتها من خلال: الاصلاحات الضريبية، واصدارات الصكوك، ومتحصلات الحملة على الفساد وطرح ارامكو المنتظر؛ وتوجيهها لتعظيم حجم ودور صندوق الاستثمارات العامة تهيئة لقيامه بالدور الذي فشل فيه القطاع الخاص.

هذا التوجه الاخير بدا واضحاً في جولات ولي العهد الاخيرة والتي غاب القطاع الخاص عن مشاهدها بشكل شبه تام، وبدا وكأن الدولة قررت قيادة الاقتصاد بعجلة واحدة؛ ولا شك ان ذلك شكل انتكاسة هائلة في توقعات القطاع الخاص.

كيف يمكننا ايقاف هذه الدائرة المغلقة من انتكاسات التوقعات المتبادلة؟

أظن أن هناك دور مهم ينتظر الوزراء المعنيين لانهاء ذلك، وتحقيق حد ادنى من التوقعات التي بامكانها تضخيم نتائج ادوار الطرفين وليس حذف بعضها ببعض.



الجمعة، 6 أبريل 2018

عندما تروي الارقام القصة من وجهة نظرها



عندما نشرت مصلحة الزكاة والدخل أن الزكاة على عروض التجارة1 في العام المالي 2015م بلغت 15.3 بليون ريال2، كانت الصورة الرديفة التي نقلتها عن القطاع الخاص هي ان راس المال العامل3 في القطاع الخاص في حدود 612 بليون ريال.

واذا افترضنا ان راس المال العامل المذكور يلبي احتياجات القطاع دون الحاجة الى اي اقتراض، كان من الواجب ان يكون حجم الناتج المحلي للقطاع الخاص (ايراداته)4 في المملكة 1.469 تريليون ريال. 

ولو اضفنا الى ذلك، القروض قصيرة الاجل التي قدمت للقطاع الخاص - حوالي 754 بليون ريال في 2015م5 - فان الصورة اسوأ من ذلك بكثير، ولكان من الواجب ان يكون حجم القطاع الخاص في المملكة في العام 2015م حوالي 3.278 تريليون ريال.

الواقع ان حجم القطاع الخاص في العام المالي 2015م لم يبلغ سوى 1.214 تريليون ريال6 فقط. وكان هذا يعني وجود 106 بليون ريال - بدون ادخال اثر القروض قصيرة الاجل التي قدمت للقطاع الخاص في الحساب - في شكل ودائع عاطلة عن المشاركة الاقتصادية في القطاع الخاص. 

وأظن ان من تنبه لذلك رأى الحل في مرحلتين:

1.  ضرورة استئصال الـ 106 بليون ريال - واكثر - لاعادة اللياقة الصحية التي يحتاجها القطاع.
2.  اعادة تهيئة واستخدام المبالغ التي يتم استئصالها في توسيع وتنويع القطاع الى الحجم الذي ينبغي ان يكون عليه.


لقد شاهدنا في نوفمبر الماضي المرحلة الاولى من الحل. وننتظر اليوم اتمام المهمة والبدء عاجلاً في توسيع القطاع الخاص وتنويعه، ونتائج سريعة تناسب سرعتها سرعة الاداء في المرحلة الاولى.



1. مقدار زكاة  عروض التجارة = (النقد + قيمة السِّلَع + الدُّيون المرجوَّة - ما عليه من الدُّيونِ) × 2.5%
       2. صحيفة الرياض العدد 17357
3. راس المال العامل = الاصول المتداولة – الخصوم المتداولة وهو أقرب صورة لعروض التجارة من واقع التقارير المحاسبية النظامية
4. الاصول المتداولة = (5/12) X الايرادات (من مرجعية الاسواق الناضجة)
5. موقع الاسواق العربية على الرابط https://bit.ly/2wRQ2Z3
6. الهيئة العامة للاحصاء



الجمعة، 30 مارس 2018

حركة السيولة بين الاسواق والخزينة (نسخة مختصرة)



كل التباديل والتوافيق في مسألة حركة السيولة بين الاسواق والخزينة يمكن التساهل معها، الا مع حالة واحدة: تجفيف الاسواق - بالتوازي مع - تركيز السيولة في الخزينة.

فهما امران يعملان بشكل مركب لخلق خلل في تركيز السيولة بين الاسواق والخزينة؛ مما يتولد عنه ضغط كفيل بعكس الحركة الطبيعية للسيولة، واحداث حالة تسرب غير مُنتِج، من الخزينة الى الاسواق، لصيانة الحد الادنى لحركة الاسواق ومنعها من الانهيار –  وهو نوع من التدخلات الغير كفؤة غالباً.

المعضلة اليوم، أن بعض اجراءات المالية التي اُتُخِذَت في البضع سنين الاخيرة  نتجت عنها أَعراضاً جانبية تمثلت في تجفيف الاسواق – بسبب ايقاف المشروعات وبعض التأخير في صرف مستحقات المقاولين...

وفي ذات الوقت، احدثت تركيزاً للسيولة في الخزينة – من خلال تعظيم حجم ودور صندوق الاستثمارات العامة، والاصلاحات الضريبية، واصدارات الصكوك، ومتحصلات الحملة على الفساد وطرح ارامكو المنتظر...


واذا لم ننجح سريعاً في نقل تركيز السيولة الى الاسواق – حيث مكانها الطبيعي وحيث يجب أن تتركز اساساً - من خلال توسيع وتنويع الاسواق؛ واعادة اتجاه حركة السيولة الى طبيعته؛ فانه لن يكون بعيداً قبل ان ننتهي الى تسرب خارج عن السيطرة يعيدنا مرة اخرى الى المربع الأول.



السبت، 10 مارس 2018

عبقرية اعادة حيوية الحكم



أود أن ابدأ بتعليق بسيط عن أَعمار الرؤساء الاميريكيين وقت تنصيبهم للرئاسة؛ وهو: أن متوسط أَعمار الرؤساء الاميريكيين عند تنصيبهم لمنصب الرئاسة هو سن الخامسة والخمسين (55 سنة).

واعتقد أن هناك جهد متعمد لابقاءه في هذا المستوى نظراً لعوامل الفتوة والنضج التي تحتاج الدولة اليهما والى اظهارهما من خلال هذا المنصب.

وأظن أن هذا كان منطبقاً علينا منذ عهد المؤسس وحتى عهد الملك فهد – عليهم رحمة الله جميعاً. فالمؤسس تولى الملك وهو في سن (56 سنة)، والملك سعود في سن (51 سنة)، والملك فيصل في سن (58 سنة)، والملك خالد في سن (62 سنة)، والملك فهد في سن (61 سنة) - وهذا يجعل متوسط سن تولي الملك هنا حتى ذلك الوقت (57 سنة).

ثم بدأ هذا النمط في الخروج عن المسار مع تولي الملك عبدالله في سن (81 سنة)، ثم الملك سلمان في سن (80 سنة). لقد أدى ذلك الى رفع متوسط سن تولى الملك بشكل متطرف الى (63 سنة) أو تزيد قليلاً.

وأظن أن ذلك كان مقلقاً لجميع الدوائر السياسية المهتمة بشؤون واستقرار المملكة لعدد من الأسباب، أهمها:

·       أن تسلسل أبناء المؤسس واعمارهم كان يشير الى أن هذا المسار الجديد سوف يكون هو المهيمن ولفترة ليست قصيرة في المستقبل.
·       أن نظام البيعة لم يكن، بصورته التي كان عليها، قادراً على تقديم اجابات مُطَمئِنة ومريحة لتجاوز آثار هذا المسار الجديد.
·    أن استمرار هذا المسار الجديد  سوف يؤدي مع الوقت الى فارق كبير في السن بين مؤسسة الحكم ووسيط عمر الشعب (والذي كان من المتوقع وصوله الى فارق جيلين في عام 2030م)؛ وهو فارق كبير جداً قد يحد بشكل عميق من حصول تواصل فعال بين الطرفين.

طبعاً الحديث والتنظير حول هذه النقاط سهل، ولكن صدمة مشاهدته راي العين ليس بتلك السهولة! وقد تحقق ذلك غالباً بطريق المصادفة البحتة في مباراة ختام كأس خادم الحرمين الشريفين والتي أقيمت على ملعب الجوهرة بجدة في 18 مايو 2017م.

لقد كان منظر الغالبية من الجماهير الحاضرة لِلِّقاء في سن العشرينات - وهي بطبيعة الحال انعكاس لجمهور الشعب خارج الملعب. كان المنظر صادماً عن حقيقة فارق السن على ارض الواقع؛ وأنه لابد من فعل شيء عاجل حيال ذلك!

أظن أن تلك الليلة كانت فاصلة في قرار اعادة حيوية الحكم. لقد تقرر ليلتها ضرورة تصحيح صورة (الفتوة والنضج) واعادتها الى مسارها الصحيح؛ وضرورة تقليص الفاصل الزمني مع جمهور الشعب.

ليلة كان فجرها الحقيقي يوم 21 يونيو 2017م. والتقت كل أهدافها في الشخصية التي سميت يومها لمنصب ولي العهد – الامير محمد بن سلمان.